التكنولوجيا الحيوية تتحول إلى ركيزة جديدة للقوة العالمية

سباق الدواء.. الثورة البيولوجية الحديثة

الرائد: أثبتت جائحة كوفيد-19 أن امتلاك المختبرات المتقدمة وشركات الأدوية والقدرة على إنتاج اللقاحات لم يعد قضية صحية فحسب، بل أصبح أحد عناصر الأمن القومي والنفوذ الدولي. فقد دخلت التكنولوجيا الحيوية خلال العقد الأخير إلى قلب المنافسة العالمية، مع توسع تطبيقاتها في الطب، والزراعة، والصناعة، والأمن الغذائي، وحتى في بعض الاستخدامات الدفاعية، مما جعلها إحدى أهم الصناعات الإستراتيجية في القرن الحادي والعشرين.

وتعود جذور الثورة البيولوجية الحديثة إلى اكتشاف تركيب الحمض النووي DNA عام 1953 على يد جيمس واتسون وفرانسيس كريك بالاستناد إلى أعمال روزاليند فرانكلين، ثم شهد العالم قفزات متتالية في الهندسة الوراثية منذ سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى تقنيات تحرير الجينات مثل CRISPR-Cas9 التي أحدثت تحولًا كبيرًا في علوم الحياة.

وترى جينيفر دودنا، الحائزة على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020، أن تقنيات تحرير الجينات تفتح آفاقًا واسعة لعلاج الأمراض الوراثية، لكنها في الوقت نفسه تتطلب أطرًا أخلاقية وتنظيمية دقيقة بسبب آثارها المحتملة.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن التكنولوجيا الحيوية أصبحت عنصرًا رئيسيًا في تطوير اللقاحات والأدوية والعلاجات الشخصية، كما أسهمت في تسريع الاستجابة للأوبئة وتحسين تشخيص الأمراض.

وتحتفظ الولايات المتحدة بموقع متقدم في هذا القطاع بفضل جامعاتها، وشركاتها الدوائية، واستثماراتها الضخمة في البحث العلمي. كما برزت شركات مثل موديرنا وفايزر خلال جائحة كوفيد-19 بعد نجاحها في تطوير لقاحات تعتمد على تقنية الحمض النووي الريبي المرسال mRNA.

ويرى إريك توبول، مؤسس معهد سكريبس للأبحاث الانتقالية، أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية سيغيران مستقبل الطب، من خلال تسريع اكتشاف الأدوية وتطوير علاجات أكثر دقة لكل مريض.

وفي المقابل، ضاعفت الصين استثماراتها في علوم الحياة، وأنشأت مراكز بحثية متقدمة، وسعت إلى بناء صناعة دوائية قادرة على المنافسة عالميًا، في إطار خططها للتحول إلى قوة علمية وتقنية.

كما تواصل دول مثل المملكة المتحدة وألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة تعزيز استثماراتها في التكنولوجيا الحيوية، مع التركيز على التعاون بين الجامعات والشركات ومراكز الأبحاث.

ويرى جيريمي فارار، كبير العلماء في منظمة الصحة العالمية، أن الاستثمار في البحوث الطبية لم يعد خيارًا، بل ضرورة إستراتيجية لحماية الأمن الصحي العالمي في مواجهة الأمراض الجديدة.

ولم تعد التكنولوجيا الحيوية تقتصر على الطب، بل أصبحت تؤثر في الزراعة من خلال تطوير محاصيل أكثر مقاومة للجفاف والآفات، وفي الصناعة عبر إنتاج مواد حيوية ووقود حيوي، وفي البيئة عبر استخدام الكائنات الدقيقة في معالجة التلوث.

لكن هذا التوسع يثير نقاشات واسعة حول أخلاقيات تعديل الجينات، وحماية البيانات الجينية، وحقوق الملكية الفكرية، وإمكانية إساءة استخدام بعض التقنيات البيولوجية.

وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن الاقتصاد الحيوي سيصبح أحد أكبر محركات النمو العالمي خلال العقود المقبلة، خاصة مع دمج التكنولوجيا الحيوية بالذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

كما يؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي أن التقارب بين علوم الأحياء والذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى ظهور صناعات جديدة بالكامل، ويغير طريقة تطوير الأدوية وإدارة الرعاية الصحية والإنتاج الزراعي.

ويتوقع خبراء مجلة Nature Biotechnology أن تتسارع المنافسة الدولية على استقطاب العلماء، وتسجيل براءات الاختراع، وتطوير منصات العلاج الجيني، باعتبارها من أكثر القطاعات نموًا وتأثيرًا في الاقتصاد العالمي.

ويجمع الباحثون على أن التكنولوجيا الحيوية أصبحت أحد الأعمدة الجديدة للقوة الشاملة للدول، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء. فالدولة التي تمتلك المعرفة البيولوجية، والبنية البحثية، والقدرة الصناعية، ستكون أكثر قدرة على حماية صحة مواطنيها، وتعزيز اقتصادها، والمنافسة في عالم تتزايد فيه أهمية الابتكار العلمي.

المصادر:

منظمة الصحة العالمية WHO، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، المنتدى الاقتصادي العالمي WEF، مجلة Nature Biotechnology، معهد سكريبس للأبحاث الانتقالية، وكالة رويترز، فايننشال تايمز، بلومبرغ.

اترك تعليقا