اتساع عجز الحساب الجاري في مصر إلى 14.6 مليار دولار

اقتصاد يواجه عاصفة جيوسياسية

أصدر البنك المركزي المصري تقرير ميزان المدفوعات للفترة من يوليو إلى مارس من السنة المالية 2025/2026، والتي انتهت في 30 يونيو 2026، متتبعاً تدفق العملات الأجنبية إلى داخل البلاد وخارجها خلال تلك الأشهر التسعة.

في حين أن العجز الإجمالي البالغ 1.8 مليار دولار يعني أن مصر أنفقت عملات أجنبية على مستوى العالم أكثر مما جلبته، فإن تضييق عجز الحساب الجاري، كما يشير التقرير، يظهر أن الاقتصاد يُظهر مرونة هيكلية قوية في ظل ضغوط شديدة ناجمة عن التصعيد في الشرق الأوسط.

بحسب التقرير، أظهر عجز ميزان المدفوعات الإجمالي لمصر تحسناً طفيفاً خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2025/2026 ، حيث انخفض بنسبة 2.9% ليسجل 1.8 مليار دولار..

تؤكد قراءات التقرير على الأداء القوي في الحسابات الخارجية، حيث تم التصدي بنجاح لعجز الميزان التجاري السلعي المتسع بشكل كبير (بزيادة قدرها 24.6% ليصل إلى 47.8 مليار دولار) من خلال طفرة في حساب رأس المال مدفوعة بالاستثمار الأجنبي المباشر والنمو الكبير في إيرادات الخدمات وتحويلات العمال..

إليكم ما تعنيه هذه التطورات فعلياً بالنسبة للوضع الاقتصادي لمصر:

الصراع الأساسي: التجارة مقابل شبكات الأمان الاجتماعي

كان اتساع عجز الحساب الجاري إلى 14.6 مليار دولار مدفوعاً بشكل كبير بعجز الميزان التجاري السلعي البالغ 47.8 مليار دولار. وشهدت فاتورة واردات مصر نمواً سريعاً، مدفوعاً تحديداً بارتفاع حاد بنسبة 15.6% في الواردات غير النفطية (61.9 مليار دولار).

ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن 44.3% من هذا النمو في الواردات كان في السلع الوسيطة والمواد الخام والمكونات. ومن الناحية الاقتصادية، يُعد هذا مؤشراً إيجابياً للاقتصاد المحلي؛ إذ يعني أن المصانع نشطة ، والتصنيع في نمو، وخطوط الإنتاج تتوسع.

تم تعويض الفارق التجاري الأوسع جزئياً بزيادة قدرها 32% في تحويلات المصريين العاملين في الخارج، والتي بلغت 34.9 مليار دولار، وارتفاع عائدات السياحة بنسبة 14.9% لتصل إلى 14.4 مليار دولار. وهذا يدل على ثقة عالمية قوية لدى المسافرين، ويبرز الدور المحوري الذي يلعبه المصريون في الخارج كشبكة أمان اقتصادي.

تعافي قناة السويس

يشير التقرير إلى تعافي قناة السويس ، التي تأثرت بالتوترات الإقليمية. ومع ذلك، ذكر التقرير أن عائدات عبور القناة ارتفعت بنسبة 22.1% لتصل إلى 3.2 مليار دولار، مدفوعةً بزيادة صافي الحمولة بنسبة 18.5%. يُعد هذا مؤشراً بالغ الأهمية يدل على أن حركة الملاحة البحرية بدأت تتجاوز تدريجياً عقبات الخدمات اللوجستية الإقليمية وتعود إلى مستوياتها الطبيعية، مما يُعيد مصدراً حيوياً للإيرادات الحكومية المباشرة.

الأموال الساخنة مقابل الأموال الراكدة (حساب رأس المال)
يكشف صافي التدفقات الداخلة البالغة 9.9 مليار دولار في حساب رأس المال والحساب المالي عن تحول هيكلي عميق في كيفية دخول رأس المال إلى البلاد.

وبناءً على ذلك، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 13 مليار دولار (أموال مستقرة)، مما يعكس الاستثمار طويل الأجل في الاقتصاد. وقد كان الدافع الرئيسي لهذه الزيادة هو الاستثمارات الجديدة وصفقة علم الروم التي بلغت قيمتها 3.5 مليار دولار.

إن التدفقات الكبيرة للاستثمار الأجنبي المباشر تعني أن الشركات متعددة الجنسيات تراهن على استدامة الاقتصاد المصري على المدى الطويل، وتختار بناء البنية التحتية وإعادة استثمار أرباح الشركات (4.5 مليار دولار) بدلاً من سحب أموالها.

في غضون ذلك، شهدت استثمارات المحافظ (الأموال الساخنة) صافي تدفق للخارج بقيمة 4.4 مليار دولار، وهو ما يمثل استثمارات أجنبية متقلبة وقصيرة الأجل في الأسهم والسندات المحلية.

تُظهر الأرقام تباينًا صارخًا: فبينما بدأ العام بدايةً قوية، شهد الربع الأول من عام 2026 (يناير – مارس) هروبًا مفاجئًا لرؤوس الأموال بقيمة 9.5 مليار دولار. ويرتبط هذا ارتباطًا مباشرًا باندلاع النزاعات الإقليمية، مما يُظهر مدى حساسية مديري الصناديق العالمية للمخاطر الجيوسياسية، الأمر الذي يدفعهم إلى تصفية استثماراتهم بسرعة.

تُظهر الأرقام صورة لاقتصاد يواجه عاصفة جيوسياسية . فبينما أدت الصراعات الخارجية إلى خروج طارئ كلاسيكي لاستثمارات المحافظ قصيرة الأجل “الأموال الساخنة”، ظلت الأسس الهيكلية لمصر راسخة بفضل مستويات قياسية من الاستثمارات المؤسسية طويلة الأجل (الاستثمار الأجنبي المباشر)، وتوسع نشاط الاستيراد الصناعي، ووجود ركائز إيرادات تقليدية قوية مثل السياحة والتحويلات المالية.

من المتوقع أن ينظر المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي هذا الصيف في المراجعة السابعة لبرنامج التمويل الممدد لمصر، والمراجعة الثانية لبرنامجي قروض المرونة والاستدامة. ويحدد برنامج التمويل الممدد سياسة اقتصادية شاملة لمصر ضمن برنامج يمتد لنحو خمسين شهراً، ومن المقرر أن يختتم بحلول منتصف ديسمبر من هذا العام.