الذكاء الاصطناعي.. الجبهة الجديدة لقيادة الاقتصاد العالمي

تشكيل موازين القوة خلال العقود المقبلة

الرائد: لم يعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين يقتصر على الموانئ والمعادن والممرات التجارية، بل انتقل إلى قطاع يراه كثير من الخبراء العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل موازين القوة خلال العقود المقبلة، وهو الذكاء الاصطناعي. فالتقدم في هذا المجال لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا المدنية، وإنما يمتد إلى الصناعات العسكرية، والاستخبارات، والاقتصاد الرقمي، والرعاية الصحية، والتعليم، والفضاء، ما جعله أحد أهم ملفات المنافسة الإستراتيجية بين أكبر اقتصادين في العالم.

وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وصندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي دفع الحكومات إلى اعتباره قضية تتعلق بالأمن القومي والقدرة التنافسية، وليس مجرد قطاع صناعي ناشئ.

وتتبنى الولايات المتحدة سياسة تقوم على الحفاظ على تفوقها في الرقائق الإلكترونية المتقدمة، والحوسبة السحابية، والبحث العلمي، وجذب الكفاءات، مع فرض قيود على تصدير بعض التقنيات المتقدمة إلى الصين. ومن أبرز هذه الإجراءات القيود التي فرضتها وزارة التجارة الأمريكية على تصدير بعض الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها، بهدف الحد من قدرة الصين على إنتاج معالجات فائقة الأداء يمكن استخدامها في تطبيقات عسكرية أو استخباراتية.

ويرى جريجوري ألين، مدير برنامج الذكاء الاصطناعي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، أن القيود الأمريكية على الرقائق تمثل تحولًا جوهريًا في السياسة الصناعية الأمريكية، لأنها تستهدف الحفاظ على الفجوة التكنولوجية في القطاعات الأكثر حساسية، وليس فقط حماية الشركات المحلية.

أما جراهام أليسون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد، فيرى أن المنافسة الأمريكية الصينية دخلت مرحلة طويلة الأمد، وأن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد أهم ميادينها، تمامًا كما كانت التكنولوجيا النووية والفضائية خلال الحرب الباردة، مع اختلاف الأدوات والآليات.

وفي المقابل، تواصل الصين تنفيذ خطتها الوطنية لتطوير الذكاء الاصطناعي، التي أُعلنت عام 2017، وتهدف إلى جعل البلاد من بين الدول الرائدة عالميًا في هذا القطاع. كما ضاعفت الحكومة الصينية استثماراتها في البحث العلمي، ودعمت شركات التكنولوجيا الكبرى ومراكز الابتكار والجامعات لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي محلية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.

ويرى بول تريولو، الشريك في مجموعة أولبرايت ستونبريدج والمتخصص في التكنولوجيا الصينية، أن بكين تعتبر الذكاء الاصطناعي عنصرًا رئيسيًا في استراتيجيتها للتنمية الاقتصادية، لكنها تواجه تحديات متزايدة بسبب القيود الغربية على الرقائق ومعدات تصنيعها.

ومن جهته، يشير كيفن وولف، المسؤول السابق بوزارة التجارة الأمريكية، إلى أن القيود التكنولوجية لن توقف التطور الصيني بالكامل، لكنها قد تبطئ وصول الشركات الصينية إلى أحدث التقنيات، ما يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها وقتًا لتعزيز تفوقهم الصناعي.

وتؤكد إليزابيث إكونومي، الباحثة البارزة في مؤسسة هوفر، أن التنافس في الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على الرقائق فقط، بل يشمل أيضًا البيانات، والجامعات، والكوادر البشرية، والقدرة على تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية وعسكرية.

وتشير تحليلات معهد بروكينغز إلى أن الدول المتوسطة أصبحت هي الأخرى تسعى إلى بناء قدراتها في الذكاء الاصطناعي، مما يجعل المنافسة أكثر تعقيدًا من مجرد صراع ثنائي بين واشنطن وبكين. كما يرى خبراء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن وضع قواعد دولية لاستخدام الذكاء الاصطناعي سيكون أحد أهم التحديات خلال السنوات المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تتعاون الولايات المتحدة مع اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي وأستراليا في مجالات البحث العلمي وسلاسل توريد الرقائق، بينما توسع الصين شراكاتها مع دول آسيوية وإفريقية وشرق أوسطية في مجالات البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ويجمع باحثون في CSIS والمجلس الأطلسي على أن الذكاء الاصطناعي أصبح يمثل ساحة المنافسة الأكثر تأثيرًا بين الولايات المتحدة والصين، لأن الدولة التي تقود هذا القطاع ستكون أكثر قدرة على تحقيق التفوق الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي في العقود المقبلة. ولذلك فإن الصراع الحالي لا يدور حول شركة أو منتج بعينه، بل حول من سيضع المعايير التقنية، ويقود الابتكار العالمي، ويسيطر على مفاصل الاقتصاد الرقمي في القرن الحادي والعشرين.

المصادر:

مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية CSIS، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، صندوق النقد الدولي، معهد بروكينغز، مؤسسة هوفر، جامعة هارفارد، وزارة التجارة الأمريكية، المجلس الأطلسي، وكالة رويترز، بلومبرغ، فايننشال تايمز. مستفاد من الذكاء الاصطناعي