أوهام “الوطن” في إسرائيل .. ودلالات الهجرة العكسية
هاني الكنيسي يكتب
- dr-naga
- 10 يوليو، 2026
- مقالات وتحليلات
- إسرائيل, الوطن, دلالات الهجرة العكسية
بينما يكرر وزير المالية الإسرائيلي المتطرف ‘بلتسئيل سموتريتش’ اليوم تصريحاته عن “ثورة الاستيطان” في الضفة الغربية متعهدًا بتمديد المستوطنات أو المستعمرات اليهودية إلى أنحاء الحدود التاريخية لدولتهم، يكشف أحدث تقرير صادر عن ‘المعهد الوطني للتأمين’ في إسرائيل عن ارتفاع في معدلات “الهجرة العكسية”، مؤكدًا بالأرقام أن غالبية من يغادرون إسرائيل هم من “المهاجرين الجدد”. وفي التفاصيل ما يشير بوضوح إلى أن كثيرًا من الوافدين إلى “أرض الميعاد” لا يجدون لأحلامهم مستقرًا في الدولة التي سرعان ما تتحول إلى محطة ترانزيت، يغادرونها -غير آسفين- في أول فرصة.
الأرقام تقول إن عام 2025 وحده شهد انتهاء إقامة 35,625 إسرائيليًا، بينهم نحو 20 ألفًا من المهاجرين الجدد (أي 56% من إجمالي المغادرين)، وفي عام 2024 انتهت إقامة 46,385 شخصًا، من بينهم 18,841 مهاجرًا جديدًا (أي حوالي 40% من الفارين بجلودهم).
القراءة المتأنية لهذه الأرقام مع مقارنتها بأرقام السنوات السابقة، لا تقود إلي استنتاج نمط ديموغرافي ناشئ أو طفرة وقتية مرتبطة بأجواء الحرب التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي منذ هجمات 7 أكتوبر 2023. فالإحصائيات ذاتها تكشف أن توجهات الهجرة اليهودية العكسية بدأت قبل حرب غزة، وتحديدًا في عام 2022، حين غادر أكثر من 18 ألف مهاجر جديد خلال سنة واحدة من وصولهم، وأكثر من 20 ألفًا غادروا بعد عامين من هجرتهم إلى الدولة العبرية.
المفارقة أن يتزامن ظهور هذه الأرقام “الكاشفة” مع استعداد إسرائيل لاستقبال موجة هجرة جديدة هذا الصيف، قوامها نحو 2,300 يهودي (أغلبهم من الولايات المتحدة وأوروبا)، بحسب بيانات منظمة ‘نيفيش بنيفيش’ Nefesh B’Nefesh (تعني حرفياً “نفساً بنفس”) التي تعمل -منذ تأسيسها في 2002- على تشجيع وتمويل هجرة (عودة) اليهود من أنحاء العالم إلى إسرائيل، تحت شعار “العلياه” Aliyah.
لكن ‘زئيف غيرشينسكي’ نائب مدير المنظمة، يقرّ بأن “من يأتون اليوم إلى إسرائيل يفعلون ذلك وهم مدركون لحقائق الواقع، لا وهم يحلمون بصورة مثالية.. إنهم يهاجرون بقرار واعٍ للانخراط في القصة الصهيونية” (أي بدوافع سياسية وأيديولوجية بحتة).
ويعلّق ‘غلعاد كريف’ رئيس لجنة الهجرة والاستيعاب وشؤون الشتات في ‘الكنيست’، على تقرير ‘المعهد الوطني للتأمين’، بالقول: “أسباب الرحيل (الهجرة المعاكسة) تعود إلى تدهور القدرة على الاستيعاب وضعف الدعم المالي.. والحديث عن استيعاب مليون مهاجر جديد في السنوات المقبلة ليس سوى شعار فارغ، ما لم تُضخ استثمارات هائلة خلال السنوات الثلاث الأولى من وصولهم”. ثم يشرح النائب البرلماني كيف أن دولة الاحتلال تمنح المهاجرين الجدد “حزمة حوافز جيدة نسبيًا لمدة 6 أشهر، وبعدها تصبح هامشية؛ فتقتصر على مساهمة محدود في فواتير الإيجار”، بينما تتمثل التحديات الحقيقية في مواجهة تكلفة المعيشة المرتفعة وإيجاد عمل بدخل معقول في سوق شديد التنافسية.
لكن ‘كريف’ يرى أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، فيربط بين تصاعد موجة الرحيل وتطورات الواقع السياسي الداخلي، مشيرًا إلى أن كثيرين من مهاجري دول الاتحاد السوفياتي السابق قدموا إلى إسرائيل هربًا من أنظمة غير ديمقراطية، ثم وجدوا أنفسهم أمام معضلة جديدة بعد خطة التعديلات القضائية التي هزت ثقة عشرات الآلاف من الإسرائيليين أنفسهم في ديمقراطية وعدالة “الوطن الجديد”.
أما الحاخام ‘آفي برمان’ الرئيس التنفيذي لمنظمة OU Israel، فاعتبر أن كل يهودي يقرر مغادرة البلاد يمثل “فشلًا للدولة العبرية”، مستفيضًا في الاستشهاد بأمثلة من المشكلات الحياتية التي يعانيها المهاجرون يوميًا في إسرائيل، وفي مقدمتها قسوة البيروقراطية -خصوصًا في مجال التعليم والرعاية الصحية- وتفشي الفساد والمحسوبية “في مجتمع يتطلب معارف واتصالات شخصية أكثر من احترام القواعد والقوانين”.
إلا أن تعليقات المهاجرين اليهود أنفسهم على بيانات التقرير -عبر منصات السوشيال ميديا- كانت أكثر جرأة في كشف جوانب أخرى “آعمق” للأزمة.
إذ عكست بعض شهاداتهم “مرارة الإحساس بالعزلة والإقصاء” داخل المجتمع الجديد، وأكد بعضها أن جوهر المشكلة “يتجاوز تحديات السكن والعمل والإجراءات البيروقراطية، إلى صعوبة الشعور بالانتماء”.
فيكتب أحدهم: “يا له من نظام استيعاب! لا يُبذل أي جهد لدمج المهاجرين، وخاصةً الناطقين بالإنجليزية… بعد 6 سنوات، ما زلتُ لا أملك صديقًا إسرائيليًا واحدًا… نشعر هنا بالغربة… قد تُطلق علينا آلاف الصواريخ، ولكن لن يُدرجنا أحد في الإنذارات… نحن مجرد سياح دائمين يستغلنا البعض ماديًا من حين لآخر”.
وفي تعليق آخر، يقول أحدهم إن “المراكز الاجتماعية إما روسية أو عبرية فقط.. جربت خمسًا منها على أمل أن أبني علاقات تدريجيًا، لكن الناس هنا لا يريدون التعرف إلينا”. ويضيف تعليق ثالث أن “كثيرين من كبار السن يجدون أنفسهم معزولين لسنوات، لدرجة أن منهم من لجأ للمرة الأولى في حياته إلى العلاج النفسي”.
هذه الشهادات الشخصية، إن وُضعت جنبًا إلى جنب مع الأرقام الرسمية وتصريحات (أو اعترافات) بعض المسؤولين، ستفضح فجوة واضحة بين خطاب “الاستيعاب والتوطين” الذي تتباهى به المؤسسات الصهيونية وبين مساوئ واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي يعيشه الوافدون الجدد الحالمون بالعودة إلى أرض الأجداد، بينما يبقى العديد منهم -عمليًا- على هامش الحياة في “الوطن اليهودي” المقام على أرض فلسطينية “محتلة”.
