مالي .. الرهان علي الحل العسكري لن ينهي تمرد القاعدة وجبهة تحرير ازواد

وسط مطالبات بالعودة للحوار لتجاوز الأزمة

الرائد : عندما وصل  المجلس العسكري إلى سد  السلطة في مالي، جعل استعادة السيطرة على كامل الأراضي الوطنية، وخاصة شمال البلاد، أولوية قصوى، معتمداً بصورة رئيسية على الخيار العسكري.

وقد كثف الجيش المالي عملياته بالتعاون مع شركاء أمنيين جدد،علي راسهم فاجنر وقوات الفيلق الروسي  بهدف إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة، وفي الوقت نفسه تقويض قدرات الحركات الأزوادية المطالبة بالحكم الذاتي أو الانفصال، وعلى رأسها جبهة تحرير أزواد.

غير أن استمرار القتال واتساع رقعة المواجهات يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الرهان العسكري وحده على إنهاء الأزمة الممتدة منذ أكثر من عقد، أم أن تحقيق سلام دائم يتطلب تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الصراع.

ووفي هذا السياق يستند المجلس العسكري إلى قناعة بأن الحكومات السابقة منحت الجماعات المسلحة فرصاً متكررة للحوار، لكنها استغلت تلك الفترات لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها العسكرية. ولذلك يرى قادة باماكو أن استعادة هيبة الدولة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر فرض السيطرة العسكرية على المدن والطرق الاستراتيجية، ومنع أي وجود مسلح خارج إطار الدولة.

حملة لفك الحصار عن كيدال

وخلال العامين الماضيين، شن الجيش المالي سلسلة من العمليات العسكرية في شمال البلاد، مستهدفاً معاقل الجماعات المسلحة في كيدال وأنيفيس ومناطق أخرى.

كما عمل الجيش المالي  على تعزيز انتشاره في المناطق التي كانت خارج سيطرة الدولة لسنوات طويلة، في محاولة لإظهار أن باماكو استعادت زمام المبادرة بعد انسحاب القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة.

ورغم هذه العمليات، فإن النتائج الميدانية لا تزال محدودة ، فالجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة تعتمد على حرب العصابات، وتتحرك في مناطق صحراوية وجبلية واسعة يصعب السيطرة عليها بصورة كاملة. كما تستفيد من معرفتها الدقيقة بالجغرافيا المحلية، إضافة إلى شبكات الدعم والتهريب العابرة للحدود، وهو ما يجعل أي انتصار عسكري نهائي أمراً بالغ الصعوبة.

أما جبهة تحرير أزواد والحركات المتحالفة معها، فهي تختلف عن التنظيمات الجهادية من حيث الأهداف، إذ ترفع مطالب سياسية تتعلق بوضع إقليم أزواد ومستقبل العلاقة مع الحكومة المركزية.

وقد أدى انهيار اتفاق السلام الموقع عام 2015 بوساطة جزائرية إلى عودة المواجهات بين الطرفين، لتتحول الأزمة مجدداً إلى صراع مفتوح يجمع بين أبعاد سياسية وأمنية وإثنية.

السلطة والضغط العسكري

ويراهن المجلس العسكري على أن استمرار الضغط العسكري سيؤدي إلى طرد المقاتلين من معاقلهم التقليدية، وخاصة في أنيفيس وكيدال، وإجبارهم على التراجع نحو المناطق الحدودية.

لكن تجارب السنوات الماضية تشير إلى أن خسارة مدينة أو قاعدة لا تعني نهاية التمرد، إذ غالباً ما تعود الجماعات المسلحة إلى الظهور في مناطق أخرى، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة وضعف مؤسسات الدولة.

كما أن العمليات العسكرية الواسعة قد تحمل آثاراً جانبية تتمثل في نزوح المدنيين وتعطيل النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر بين المكونات المحلية، وهو ما قد يوفر بيئة خصبة لتجنيد عناصر جديدة في صفوف الجماعات المسلحة إذا لم تترافق العمليات الأمنية مع برامج تنموية ومصالحات مجتمعية.

ومن هنا يرى عدد من المراقبين أن الحل العسكري، رغم أهميته في الحد من قدرات التنظيمات المسلحة ومنعها من السيطرة على المدن، لا يكفي بمفرده لإنهاء الأزمة.

فالتمرد في شمال مالي يرتبط أيضاً بعوامل تاريخية تتعلق بالتهميش وضعف التنمية وغياب الخدمات والخلافات حول تقاسم السلطة والثروة.

اطلاق مسار سياسي

ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن نجاح أي استراتيجية طويلة المدى يتطلب إعادة إطلاق مسار سياسي يضم الحكومة والحركات الأزوادية التي تقبل بالعمل السياسي، مع الفصل بينها وبين التنظيمات الإرهابية التي ترفض التسوية وتتبنى العنف وسيلة لتحقيق أهدافها. كما يتطلب الأمر منح المجتمعات المحلية دوراً أكبر في إدارة شؤونها، مع تنفيذ مشاريع تنموية تعزز الثقة في مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، يرفض المجلس العسكري تقديم تنازلات يعتبرها تهدد وحدة البلاد، ويؤكد أن أي حوار يجب أن يتم تحت سقف الدولة الواحدة وسيادتها الكاملة على جميع الأراضي المالية. كما يرى أن التفاوض من موقع القوة العسكرية يمنح الحكومة فرصاً أفضل لفرض شروطها مقارنة بالتفاوض في ظل توازن القوى السابق.

إقليمياً، تتابع دول الساحل تطورات المشهد المالي باعتباره مؤشراً على مستقبل الأمن في المنطقة بأسرها. فنجاح الجماعات المسلحة في الحفاظ على مواقعها سيزيد من مخاطر انتقال العنف إلى الدول المجاورة، بينما قد يسهم استقرار مالي في تعزيز التعاون الأمني بين دول تحالف الساحل.

وفي ظل هذه الأجواء المعقدة تبدو فرص نجاح الرهان العسكري وحده محدودة، حتى لو تمكن الجيش المالي من تحقيق مكاسب ميدانية في أنيفيس وكيدال

فالتجارب السابقة في مالي ودول الساحل أثبتت أن القضاء النهائي على التمرد لا يتحقق بالقوة العسكرية فقط، وإنما عبر استراتيجية متكاملة تجمع بين الأمن والتنمية والحوار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وومن المهم الإشارة هنا إلي أنه من دون معالجة الأسباب العميقة للأزمة، ستظل احتمالات تجدد الصراع قائمة، مهما بلغت النجاحات العسكرية، بينما يبقى الحل السياسي الشامل، المدعوم بإجراءات أمنية فعالة، الخيار الأكثر واقعية لتحقيق سلام دائم في شمال مالي وأجزاء من وسط البلاد.