بعد هدوء أسواق النفط.. هل ما زالت المخاطر قائمة؟

هشاشة المخزونات واستمرار التوترات يبقيان سوق النفط تحت التهديد

رغم أن العالم تمكن من تجاوز واحدة من أكبر أزمات إمدادات النفط في التاريخ الحديث دون انهيار كامل في أسواق الطاقة، فإن المخاطر لم تختفِ، بل انتقلت إلى مرحلة جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا، فبحسب تقرير معمق في “وكالة رويترز”، فإن استنزاف الاحتياطيات النفطية العالمية واعتماد الأسواق على توقعات بعودة الاستقرار، يثيران مخاوف من موجات ارتفاع حادة في الأسعار إذا تعثر مسار السلام أو تعرضت الإمدادات لاضطرابات جديدة.

صدمة تاريخية.. وسوق أكثر مرونة

وفقًا لـ”رويترز”، بدأت الأزمة بعدما أدى إغلاق “إيران” لـ”مضيق هرمز” ردًا على «الهجمات الأميركية والإسرائيلية» إلى اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة، حيث قدرت “وكالة الطاقة الدولية” خسائر الإمدادات في أسوأ مراحل الصراع بنحو 14 مليون برميل يوميًا، وهو أكبر انقطاع للإمدادات في التاريخ.

ورغم ضخامة الأزمة، لم تشهد الأسواق نقصًا واسعًا وحادًا في “البنزين” أو “الديزل” أو “وقود الطائرات”، كما تراجعت أسعار “خام برنت” إلى مستويات أقل من تلك التي كانت عليها عند اندلاع الحرب، بعد أن بلغت ذروتها قرب 126 دولارًا للبرميل في “أبريل”.

ويرى كبير الاقتصاديين في “البنك الدولي”، “جون بافيس”، أن هذا الأداء يعكس ثقة المستثمرين في قدرة الاقتصاد العالمي ومنظومة الطاقة على امتصاص الصدمات، خاصة مع انخفاض اعتماد الاقتصادات المتقدمة على “النفط” مقارنة بما كان عليه الحال منذ أزمة السبعينيات، إلى جانب تراجع كثافة استهلاك النفط في العديد من الاقتصادات الناشئة.

الصين والاحتياطيات..عوامل منعت الأسوأ

بحسب التقرير، لم يكن تجاوز الأزمة نتيجة تحسن هيكلي في الاقتصاد العالمي فقط، بل جاء أيضًا بفضل ثلاثة عوامل رئيسية.. إيجاد “السعودية” و”الإمارات” مسارات بديلة لتصدير النفط، وتراجع “الطلب الآسيوي” بقيادة “الصين”، إضافة إلى السحب المكثف من الاحتياطيات الاستراتيجية حول العالم.

وتشير البيانات إلى أن “الصين” دخلت الأزمة وهي تمتلك نحو 1.4 مليار برميل من النفط المخزن، وهو حجم يفوق إجمالي الاحتياطيات التي تمتلكها الدول الأعضاء في “وكالة الطاقة الدولية” مجتمعة، كما ساعد التوسع السريع في استخدام “السيارات الكهربائية” ومرونة قطاعي النفط والبتروكيماويات في “الصين” على تخفيف الضغوط على الطلب العالمي.

وفي الوقت ذاته، أطلقت “وكالة الطاقة الدولية” نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات، بينما عززت تصريحات الإدارة الأميركية بشأن قرب انتهاء الحرب ثقة الأسواق، ما دفع صناديق التحوط إلى تقليص رهاناتها على استمرار ارتفاع الأسعار، وزادت تهدئة الأسواق مع توقيع الاتفاق المبدئي لإنهاء الصراع.

استنزاف المخزونات..التهديد القادم

يشير التقرير إلى أن الهدوء الحالي قد يكون مضللًا، إذ لا تزال تداعيات الحرب قائمة رغم استئناف عدد من “دول الخليج” إنتاجها وتصديرها، في وقت تحتاج فيه بعض البنية التحتية النفطية المتضررة إلى سنوات لاستعادة كامل طاقتها، كما أن البيانات الخاصة بحركة ناقلات النفط عبر “مضيق هرمز”، إلى جانب بطء المفاوضات النهائية بين “واشنطن” و”طهران” بشأن الملفات العالقة، تعكس استمرار حالة عدم اليقين في السوق.

وتكمن المشكلة الأكبر، في أن العالم واجه الأزمة عبر استنزاف مخزوناته النفطية بوتيرة قياسية، ما أضعف شبكة الأمان التي يعتمد عليها لمواجهة أي اضطرابات مستقبلية، ويحذر خبراء من أن انخفاض المخزونات سيزيد من حدة تقلبات الأسعار، إذ تشير تقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار 5 دولارات في سعر برميل النفط يضيف نحو 190 مليار دولار إلى فاتورة الاقتصاد العالمي سنويًا.

كما ارتفعت تقديرات أسعار النفط للأعوام 2027 و2028 مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، فيما يُتوقع أن تتجاوز تكلفة إعادة بناء الاحتياطيات النفطية العالمية 70 مليار دولار بأسعار “خام برنت” الحالية، ويخلص التقرير.. إلى أن الأسواق تبدو مطمئنة نسبيًا إلى عودة الاستقرار، إلا أن هشاشة المخزونات واستمرار التوترات الجيوسياسية، خصوصًا في “مضيق هرمز”، قد يجعلان أي اضطراب جديد كفيلًا بإشعال موجة جديدة من الارتفاعات الحادة في أسعار النفط.

اترك تعليقا