صاروخ كيم يعزز الردع ويثير مخاوف التصعيد الإقليمي

أثارت موجة واسعة من التحليلات

من جديد، تعود شبه الجزيرة الكورية إلى واجهة التوترات الدولية، بعد إشراف الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون على تجربة إطلاق صاروخ كروز إستراتيجي جديد من على متن المدمرة الجديدة، في خطوة أثارت موجة واسعة من التحليلات بشأن أهداف بيونغ يانغ، وما إذا كانت تمضي نحو تعزيز قدراتها النووية البحرية، أم أنها تكتفي بإرسال رسائل ردع سياسية وعسكرية إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

ويأتي هذا التطور في وقت يشهد فيه النظام الدولي تصاعدًا في المنافسة بين القوى الكبرى، بالتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والسباق المتسارع على تطوير القدرات العسكرية، وهو ما يمنح التحركات الكورية الشمالية أهمية تتجاوز حدود شرق آسيا.

استعراض عسكري يحمل رسائل سياسية

أشرف كيم جونغ أون على سلسلة من الاختبارات العسكرية شملت إطلاق صاروخ كروز إستراتيجي، واختبار مدفعية بحرية، وأنظمة دفاع جوي، وقدرات للحرب الإلكترونية، في عرض عسكري وصفته وسائل الإعلام الرسمية بأنه دليل على دخول البحرية الكورية الشمالية مرحلة جديدة من التطور.

ورغم أن بيونغ يانغ اعتادت تنظيم مثل هذه العروض العسكرية، فإن الجديد هذه المرة يتمثل في دمج منظومات هجومية متعددة على متن مدمرة حديثة، بما يعكس توجهًا نحو بناء قوة بحرية قادرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى، وليس الاكتفاء بالدفاع الساحلي كما كان الحال في العقود الماضية.

ويرى مراقبون أن اختيار البحرية منصة لإطلاق هذه الرسائل يحمل دلالة خاصة، إذ تسعى كوريا الشمالية إلى توسيع خيارات الردع لديها عبر البر والبحر، بما يصعب على خصومها التعامل مع أي تهديد محتمل.

صاروخ إستراتيجي بقدرات بعيدة

تشير التقديرات العسكرية إلى أن الصاروخ الذي جرى اختباره ينتمي إلى عائلة “هواسال”، وهي صواريخ كروز بعيدة المدى تستطيع التحليق على ارتفاعات منخفضة، ما يجعل اكتشافها واعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ الباليستية.

ويصل مدى الصاروخ إلى نحو ألفي كيلومتر، وهو ما يضع القواعد العسكرية الأمريكية في كوريا الجنوبية واليابان ضمن نطاق الاستهداف، كما يمنح بيونغ يانغ قدرة أكبر على تنفيذ ضربات دقيقة إذا اندلع أي صراع في المنطقة.

وتزداد أهمية هذا الصاروخ لأن الإعلام الرسمي الكوري الشمالي وصفه بأنه “إستراتيجي”، وهو مصطلح تستخدمه بيونغ يانغ عادة للإشارة إلى المنظومات القادرة على حمل رؤوس نووية، حتى وإن لم تؤكد رسميًا طبيعة الحمولة المستخدمة في الاختبار.

المدمرة الجديدة.. تحول في العقيدة البحرية

المدمرة الجديدة تمثل أكبر قطعة بحرية قتالية تبنيها كوريا الشمالية حتى الآن، إذ تنتمي إلى فئة حديثة يبلغ وزنها نحو خمسة آلاف طن، وتضم عشرات خلايا الإطلاق العمودي، إضافة إلى مدافع وأنظمة دفاع جوي وصواريخ مضادة للسفن والغواصات.

ويرى خبراء أن امتلاك مثل هذه السفينة يمنح البحرية الكورية الشمالية مرونة أكبر في تنفيذ عمليات بعيدة عن السواحل، ويعكس انتقالها تدريجيًا من قوة دفاعية إلى قوة تحاول فرض حضورها في المياه الإقليمية.

كما تسمح خلايا الإطلاق العمودي بإطلاق أنواع مختلفة من الصواريخ من المنصة نفسها، وهو ما يزيد من تعقيد أي مواجهة عسكرية محتملة، ويمنح القادة العسكريين خيارات عملياتية أوسع.

لماذا الآن؟

توقيت التجربة ليس منفصلًا عن التطورات الدولية. فالإدارة الأمريكية تواصل تعزيز تعاونها العسكري مع كوريا الجنوبية واليابان، بينما توسع سيؤول برامجها الصاروخية والدفاعية، وهو ما تعتبره بيونغ يانغ تهديدًا مباشرًا لأمنها.

وفي المقابل، تستفيد كوريا الشمالية من انشغال الولايات المتحدة بأزمات دولية متعددة، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع لتطوير برامجها العسكرية دون توقع رد عسكري مباشر.

كما أن العلاقات المتنامية بين بيونغ يانغ وموسكو، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وفرت لكوريا الشمالية مساحة سياسية أكبر لمقاومة الضغوط الغربية، خاصة في مجلس الأمن.

رسائل إلى واشنطن وطوكيو وسيؤول

يحمل العرض العسكري عدة رسائل في آن واحد.

فالرسالة الأولى موجهة إلى الولايات المتحدة، ومفادها أن سياسة العقوبات والضغوط لم توقف برامج التسلح الكورية الشمالية، بل دفعتها إلى تطوير منظومات أكثر تقدمًا.

أما الرسالة الثانية فتستهدف كوريا الجنوبية واليابان، اللتين تواصلان توسيع التعاون العسكري مع واشنطن، حيث تؤكد بيونغ يانغ أنها قادرة على الوصول إلى أهداف بعيدة داخل أراضيهما.

أما الرسالة الثالثة فهي داخلية، إذ يسعى كيم جونغ أون إلى ترسيخ صورته كقائد نجح في تحديث الجيش رغم العقوبات الاقتصادية، وهو ما يعزز شرعيته أمام النخبة الحاكمة والرأي العام الداخلي.

هل يتغير ميزان القوى؟

رغم التطور الملحوظ في القدرات العسكرية الكورية الشمالية، فإن معظم الخبراء يرون أن ميزان القوى في شرق آسيا لا يزال يميل بصورة واضحة لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، سواء من حيث التكنولوجيا أو التفوق الجوي والبحري أو منظومات الدفاع الصاروخي.

لكن هذا لا يعني التقليل من أهمية ما تحقق في بيونغ يانغ، إذ إن امتلاك صواريخ كروز بعيدة المدى وسفن حديثة يزيد تكلفة أي عمل عسكري ضدها، ويعزز قدرتها على الردع.

كما أن تطوير القوة البحرية يضيف بعدًا جديدًا للمعادلة الأمنية، ويجبر خصومها على توزيع قدراتهم الدفاعية على جبهات متعددة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

من المرجح أن تستمر كوريا الشمالية في إجراء اختبارات إضافية خلال الأشهر المقبلة، سواء لصواريخ كروز أو للصواريخ الباليستية أو للمنظومات البحرية الجديدة، في إطار خطة تحديث القوات المسلحة التي أعلنها كيم جونغ أون منذ عدة سنوات.

وفي المقابل، قد ترد الولايات المتحدة وحلفاؤها بتكثيف المناورات العسكرية المشتركة، وتعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي، وربما فرض عقوبات إضافية على المؤسسات المرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي الكوري الشمالي.

ويبقى احتمال العودة إلى المفاوضات النووية ضعيفًا في المدى القريب، في ظل غياب الثقة بين واشنطن وبيونغ يانغ، واستمرار كل طرف في التمسك بشروطه الأساسية.

مستقبل الردع في شبه الجزيرة

تكشف التجربة الأخيرة أن كوريا الشمالية ماضية في بناء منظومة ردع أكثر تنوعًا، تجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والقوات البحرية والقدرات النووية المحتملة. ويعني ذلك أن أي مواجهة مستقبلية في شبه الجزيرة الكورية ستكون أكثر تعقيدًا، مع اتساع نطاق الأهداف المحتملة وارتفاع كلفة أي عمل عسكري.

وفي الوقت نفسه، لا تشير المؤشرات الحالية إلى رغبة بيونغ يانغ في إشعال حرب شاملة، بقدر ما تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تجعل خصومها أكثر حذرًا في التعامل معها. وبين من يرى في هذه الاختبارات تحولًا إستراتيجيًا حقيقيًا، ومن يعتبرها استعراضًا عسكريًا متكررًا، تبقى الرسالة الأبرز أن سباق التسلح في شرق آسيا دخل مرحلة جديدة، عنوانها تعزيز القدرات البحرية والنووية، في منطقة تُعد أصلًا واحدة من أكثر بؤر العالم حساسية.

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا