«الدولار الأميركي».. كيف فقد احتكاره لتمويل الأسواق الناشئة؟
تقلبات السياسة النقدية الأميركية وضبابية مسار العملة تغيران المعادلة
- معاذ الجمال
- 5 يوليو، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير وترجمات
- أخبار جريدة الرائد, أصول الأسواق الناشئة, الاحتياطي الفيدرالي, الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي, الدولار الأمريكي, الدولار الليرة التركية, الين الياباني
لم يعد “الدولار الأميركي” الخيار الوحيد أمام المستثمرين العالميين لتمويل استثماراتهم في الأسواق الناشئة، إذ يتجه كبار مديري الأصول إلى تبني استراتيجيات أكثر تنوعاً تعتمد على “اليورو” و”الين الياباني” و”الدولار الكندي” وعملات أخرى، في خطوة تعكس تنامي الحذر من تقلبات العملة الأميركية وعدم وضوح اتجاهها خلال المرحلة المقبلة، ويأتي هذا التحول في ظل استمرار جاذبية استثمارات العائد المرتفع في الأسواق الناشئة، التي لا تزال تحقق مكاسب قوية بدعم من فروق أسعار الفائدة.
تنويع التمويل..
بدأت مؤسسات استثمارية كبرى في إعادة رسم استراتيجيات التمويل بعيداً عن الاعتماد الكامل على “الدولار”، فقد أكدت شركتا “إنفيسكو” و”ألاينس برنشتاين” الأمريكيتان المتخصصتان في إدارة الأصول والاستثمارات في العالم، أنهما وسعتا قاعدة عملات التمويل لتشمل “اليورو” و”الدولار الكندي” و”الين الياباني”، إلى جانب “الدولار الأميركي”، بهدف تقليص المخاطر المرتبطة بتقلبات العملة الأميركية.
وفي الاتجاه ذاته، أوصى “مورغان ستانلي” المستثمرين بالتعبير عن تفاؤلهم تجاه أصول الأسواق الناشئة من خلال سلة متنوعة من العملات تضم “الدولار واليورو والين”، بينما فضلت “سيتي جروب” الرهان على مكاسب “الريال البرازيلي” مقابل “اليورو والدولار الأسترالي”، ويرى مديرو الأصول أن غياب رؤية واضحة لمسار “الدولار” يدفع إلى تنويع مصادر التمويل بدلاً من الاعتماد على عملة واحدة، بما يمنح المحافظ الاستثمارية مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق.
رهانات العائد تحت الضغط..
رغم أن “ضعف الدولار” خلال العام الماضي وفر دعماً قوياً للأسواق الناشئة، فإن تعافي العملة الأميركية في الأشهر الأخيرة تسبب في اضطراب بعض أكثر صفقات العائد رواجاً، وأدى إلى ضغوط على “أسواق الدين” وتراجع مؤشر عملات الأسواق الناشئة لفترة وجيزة.
كما عزز تولي “كيفن وارش” رئاسة مجلس “الاحتياطي الفيدرالي” توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة، ما دعم “الدولار” وأثار مخاوف من تقلص الفارق بين أسعار الفائدة الأميركية ونظيرتها في الأسواق الناشئة، وهو ما قد يحد من جاذبية استراتيجية لـ”المضاربة على أسعار الفائدة” التي تعتمد على الاقتراض بعملات منخفضة العائد والاستثمار في عملات مرتفعة العائد.
ورغم هذه الضغوط، لا تزال هذه الاستراتيجية تحقق عوائد قوية، إذ سجلت عمليات الاقتراض بـ”الدولار” للاستثمار في عملات مثل “الريال البرازيلي” و”البيزو الكولومبي” و”الليرة التركية” مكاسب بلغت نحو 26% منذ إعلان الإدارة الأميركية حزمة الرسوم الجمركية العالمية في أبريل 2025، فيما واصلت “البرازيل” و”كولومبيا” الاستفادة من ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية، ما دعم عملتيهما أمام “الدولار”.
الحذر يهيمن على المستثمرين..
ورغم استمرار الإقبال على “أدوات الدين” و”العملات مرتفعة العائد”، فإن المستثمرين باتوا أكثر حذراً تجاه الاعتماد المفرط على الدولار كعملة تمويل، وأظهر استطلاع أجرته مجموعة “HSBC” (وتعد إحدى أكبر المجموعات المصرفية العالمية، التي تتخذ من لندن مقراً رئيسياً لها) أن “قوة الدولار” أصبحت الخطر الأكبر الذي يواجه استثمارات الأسواق الناشئة، متجاوزة المخاطر الجيوسياسية.
وفي المقابل، لا يزال بعض مديري المحافظ، مثل مسؤولي “PGIM” (وهي الذراع العالمية لإدارة الأصول التابعة لشركة “برودنشال فاينانشال الأميركية” للخدمات المالية)، يحتفظون بمراكز استثمارية تعتمد على “الدولار” مع الاستفادة أحياناً من “الين الياباني” كعملة تمويل، فيما يفضل آخرون، من بينهم مديرو استثمارات في “فونتوبيل السويسرية لإدارة الثروات والأصول” و”دابل لاين كابيتال الأميركية لإدارة الاستثمارات”، تنويع مصادر التمويل تحسباً لاستمرار الغموض بشأن قرارات “الاحتياطي الفيدرالي”.
ويجمع المستثمرون على أن تنويع عملات التمويل أصبح ضرورة لإدارة المخاطر في ظل بيئة عالمية تتسم بتقلبات السياسة النقدية وتزايد التوترات التجارية والجيوسياسية، مع بقاء الأسواق الناشئة وجهة جاذبة للمستثمرين الباحثين عن عوائد مرتفعة، وإن كان ذلك بدرجة أكبر من الحذر والانضباط في إدارة المخاطر.
