تعزية المسلمين في الهند بوفاة العلّامة الشيخ السيد سلمان الحسيني الندوي
أحد أعلام الحديث والفكر الإسلامي في الهند والعالم الإسلامي
- Ali Ahmed
- 30 يونيو، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, مقالات وتحليلات
- تابع معنا الأخبار العربية والدولية والعالم الإسلامي | أخبار الرائد
د. علي محمد الصلابي
تعزية للأمة الإسلامية وللمسلمين في الهند بوفاة العلّامة الشيخ السيد سلمان الحسيني الندوي رحمه الله؛ أحد أعلام الحديث والفكر الإسلامي في الهند والعالم الإسلامي
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
[آل عمران: 185]
إنَّ فقد العلماء الربانيين من أعظم المصائب التي تُصاب بها الأمم؛ فهم ورثة الأنبياء، وحملة الشريعة، وأمناء العلم، وبناة الأجيال. وبرحيلهم تفقد الأمة عقولاً أفنت أعمارها في خدمة الإسلام، وقلوباً حملت همَّ القرآن الكريم والسنة النبوية، غير أن آثارهم تبقى حيَّةً بما خلَّفوه من تلامذة، ومؤلفات، ومؤسسات، ومشروعات علمية ودعوية تستمر في أداء رسالتها جيلاً بعد جيل.
وبقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، تنعى الأمة الإسلامية عامة، والمسلمون في الهند خاصة، العلّامة الشيخ السيد سلمان الحسيني الندوي رحمه الله، أحد أبرز علماء الحديث والفكر الإسلامي في الهند والعالم الإسلامي، والذي وافته المنية يوم الاثنين الرابع عشر من شهر محرم سنة 1448هـ، الموافق التاسع والعشرين من يونيو (حزيران) سنة 2026م، بعد حياةٍ حافلةٍ بالعلم والتعليم والدعوة والتأليف والعمل المؤسسي، كرَّسها لخدمة الإسلام والمسلمين. رحمه الله وإنا لله وإنا إليه راجعون
من هو الشيخ سلمان الحسيني الندوي؟
النشأة والتكوين العلمي
وُلد الشيخ سلمان الحسيني الندوي سنة 1954م بمدينة لكناؤ في ولاية أوتار براديش بالهند، ونشأ في بيت علمٍ وفضلٍ، ينتمي إلى الأسرة العلمية المعروفة بانتسابها إلى مدرسة ندوة العلماء، التي كان لها أثرٌ بالغٌ في النهضة العلمية والفكرية في شبه القارة الهندية.
حفظ القرآن الكريم في سنٍ مبكرة، ثم التحق بالمراحل التعليمية في ندوة العلماء، حيث درس العلوم الشرعية والعربية، وأظهر نبوغاً مبكراً في علوم الحديث والفقه والتفسير واللغة العربية، حتى تخرج في كلية الشريعة وأصول الدين سنة 1974م.
ولم يقف عند حدود الدراسة التقليدية، بل واصل تخصصه في الحديث الشريف، فنال درجة الماجستير في الحديث وعلومه من ندوة العلماء سنة 1976م، ثم رحل إلى المملكة العربية السعودية، فالتحق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وحصل منها على درجة الماجستير في الحديث وعلومه بتقدير ممتاز سنة 1980م، جامعاً بين أصالة المدرسة العلمية في الهند، والمنهج الأكاديمي في الجامعات الإسلامية.
المسيرة العلمية والأكاديمية
بعد عودته إلى الهند، بدأ الشيخ سلمان الحسيني الندوي مسيرته العلمية مدرساً في قسم الحديث الشريف بدار العلوم التابعة لندوة العلماء، ثم تدرج في السلك الأكاديمي حتى أصبح أستاذاً، وتولى منصب وكيل كليتي الشريعة وأصول الدين.
وخلال سنوات طويلة من التدريس، خرَّج أجيالاً من العلماء والدعاة والباحثين، وأسهم في ترسيخ منهج العناية بالسنة النبوية وعلومها، وربط الدراسة الشرعية بقضايا المجتمع والأمة، مع المحافظة على أصالة التراث الإسلامي والانفتاح على متطلبات العصر.
وكان يؤمن بأن النهضة الإسلامية لا تتحقق بمجرد حفظ العلوم، وإنما ببناء الإنسان، وإعداد المؤسسات، وصناعة القيادات العلمية القادرة على حمل رسالة الإسلام في العصر الحديث.
العمل المؤسسي وخدمة التعليم الإسلامي
لم يكن الشيخ سلمان الحسيني الندوي عالماً يقتصر عطاؤه على قاعات الدرس، بل كان من رواد العمل المؤسسي في الهند.
فقد أسهم سنة 1974م في تأسيس جمعية شباب الإسلام مع عدد من زملائه، لتكون إطاراً تربوياً ودعوياً يخدم الشباب المسلم.
كما أسس سنة 1975م مدرسة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد الإسلامية، التي تطورت مع مرور الزمن إلى مؤسسة تعليمية كبيرة، تجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الحديثة، وتخدم أعداداً كبيرة من الطلاب.
وشارك كذلك في إنشاء عدد من المدارس والمعاهد التعليمية، ومراكز التدريب، والمؤسسات الاجتماعية والخيرية، إيماناً منه بأن بناء الإنسان هو الطريق الحقيقي لنهضة الأمة.
جهوده في خدمة السنة النبوية والفكر الإسلامي
عُرف الشيخ سلمان الحسيني الندوي باهتمامه الكبير بعلوم الحديث الشريف، فكانت السنة النبوية محور تدريسه، وبحثه، وتأليفه، وتحقيقه.
كما أولى عنايةً خاصة بتاريخ علماء الهند وإسهاماتهم في خدمة الإسلام، وأسهم في التعريف بتراث المدرسة العلمية في شبه القارة الهندية لدى القارئ العربي، من خلال التأليف، والتحقيق، والترجمة، وإحياء عدد من الكتب المهمة، وفي مقدمتها مؤلفات العلّامة أبي الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله.
وكان حريصاً على إبراز دور علماء الهند في خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية، وتعريف العالم الإسلامي بالإنتاج العلمي المتميز لعلماء شبه القارة الهندية.
حضوره في قضايا الأمة
حمل الشيخ هموم المسلمين في الهند، ودافع عن حقهم في الحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية، كما اهتم بقضايا الأمة الإسلامية عامة، وفي مقدمتها التعليم، ووحدة المسلمين، وإعداد العلماء، وبناء المؤسسات العلمية، وتوجيه الشباب.
وكان من الأعضاء المؤسسين للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وشارك في عضوية مجلس أمنائه لعدة دورات، وأسهم بعلمه وخبرته في عدد من برامجه ومشروعاته العلمية والدعوية.
كما شارك في مؤتمرات وندوات علمية داخل الهند وخارجها، وكانت له صلات علمية واسعة مع الجامعات والمؤسسات الإسلامية ومراكز البحث في العالم الإسلامي.
إنتاجه العلمي
ترك الشيخ سلمان الحسيني الندوي رحمه الله إنتاجاً علمياً متنوعاً بالعربية والأردية، شمل علوم الحديث، والفقه، وأصول الفقه، والتفسير، والسيرة، والتاريخ الإسلامي.
ومن أشهر مؤلفاته:
جمع ألفاظ الجرح والتعديل ودراستها من كتاب تهذيب التهذيب.
التعريف الوجيز بكتب الحديث.
المدخل إلى دراسة جامع الترمذي.
دروس من الحديث النبوي الشريف.
مشايخ الإمام البخاري.
الاجتهاد والتقليد بين أهل الرأي وأهل الحديث.
الإمام الدهلوي وآراؤه في التشريع الإسلامي.
تحقيق كتاب الفوز الكبير في أصول التفسير.
ترجمة وتحقيق عدد من مؤلفات العلّامة أبي الحسن علي الحسني الندوي.
وقد امتازت مؤلفاته بالجمع بين التحقيق العلمي، وسلامة المنهج، وحسن العرض، مما جعلها مراجع يستفيد منها الباحثون وطلاب العلم.
إرث علمي باقٍ
لقد كان الشيخ سلمان الحسيني الندوي رحمه الله من الشخصيات العلمية التي جمعت بين العالم، والمربي، والداعية، والمؤلف، وباني المؤسسات.
وكان يؤمن بأن العلم لا يكتمل إلا إذا تحول إلى عمل، وأن النهضة لا تقوم إلا بإعداد العلماء، وبناء المؤسسات، وتربية الأجيال، وربط العلوم الشرعية بواقع الناس وقضاياهم.
وسيظل أثره باقياً فيما تركه من مؤلفات، ومؤسسات تعليمية، وتلامذة، وإسهامات فكرية وعلمية، انتفع بها آلاف الطلاب والباحثين داخل الهند وخارجها.
دعاء وختام
نسأل الله تعالى أن يتغمد الشيخ العلّامة السيد سلمان الحسيني الندوي بواسع رحمته، وأن يغفر له، ويرفع درجته في عليين، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
اللهم اجعل علمه صدقةً جاريةً إلى يوم القيامة، وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم بارك في تلامذته، واحفظ مؤسساته العلمية، وانفع الأمة بآثاره، واخلف المسلمين فيه خيراً، واجعل سيرته وعطاءه نوراً يهتدي به العلماء وطلاب العلم من بعده.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
* د. علي محمد الصلابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
14 محرم 1448هـ
الموافق 29 يونيو 2026م عرض أقل
