هرمز: صراع النفوذ وأمن الطاقة العالمي المحتدم
معركة استراتيجية تهدف إلى تحديد موازين القوى
- السيد التيجاني
- 26 يونيو، 2026
- تقارير
- أمن الطاقة العالمي, الولايات المتحدة, توازن القوى, مضيق هرمز, واشنطن وطهران
في المشهد الجيوسياسي المتفجر لعام 2026، عاد مضيق هرمز ليحتل الصدارة كأخطر نقطة اختناق في العالم. إن التوتر المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين من جهة أخرى، ليس مجرد خلاف على ممرات ملاحية، بل هو معركة استراتيجية تهدف إلى تحديد موازين القوى في مرحلة ما بعد الحرب الإقليمية التي اندلعت في فبراير الماضي
جذور التصعيد: معضلة السيادة مقابل حرية الملاحة
تستند إيران في موقفها الحالي إلى رؤية ترى أن الترتيبات التي فرضتها الولايات المتحدة وشركاؤها عقب الصراع تفتقر للشرعية، خاصة تلك المتعلقة بإدارة الممرات الملاحية. يعتبر كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، أن دور إيران كدولة مطلة على المضيق هو حق سيادي غير قابل للتفاوض.
وفي المقابل، يرى التحالف الأمريكي-الخليجي أن “حرية الملاحة غير المشروطة” هي عماد استقرار الاقتصاد العالمي، معتبرين أي فرض لرسوم أو سيطرة إيرانية “ابتزازاً جيوسياسياً” يهدد أمن الطاقة الدولي.
أصوات الخبراء: قراءة في الأبعاد الاستراتيجية
يرى الدكتور فارس العبيدي، الخبير في شؤون الأمن البحري بمركز الشرق الأوسط للدراسات، أن الهجوم على السفينة “إيفر لافلي” ليس حادثاً عشوائياً، بل هو “رسالة تكتيكية” إيرانية للضغط على المسارات البديلة التي أعلنت عنها عُمان والمنظمة البحرية الدولية.
ويضيف العبيدي: “طهران تدرك أن السيطرة على المضيق هي ورقتها الأقوى في مفاوضات الـ 60 يوماً؛ فهي تستخدم التهديد الأمني لتعطيل المسارات التي لا تخضع لرقابتها، مما يضع واشنطن في مأزق أخلاقي وعسكري”.
من جانبه، يشير جيمس ستيفنز، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن التوقيت بالغ الحساسية. ويقول ستيفنز: “مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، لا يستطيع الرئيس ترامب تحمل تبعات إغلاق المضيق أو انهيار الاتفاق المبدئي، وفي الوقت نفسه، لا يمكنه التراجع أمام التحدي الإيراني دون أن يظهر بمظهر الضعيف أمام ناخبيه”.
حافة الهاوية في أسواق الطاقة
على الرغم من استئناف شركة “أرامكو” السعودية لتحميل النفط من ميناء رأس تنورة، وهو مؤشر إيجابي نظرياً، إلا أن الأسواق لا تزال تعيش حالة من القلق المزمن. تعطل الملاحة لأسابيع والغموض الذي يلف الاتفاق المؤقت خلقا “علاوة مخاطر” مرتفعة.
ويحلل مارك إيفانز، كبير الاقتصاديين في “جلوبال إنرجي ريسيرش”، الوضع قائلاً: “السوق لا يتفاعل فقط مع كميات النفط التي تمر، بل مع احتمالية حدوث مواجهة عسكرية مفاجئة. إن اصطدام جسم مجهول بسفينة هو تذكير بأن التأمين البحري قد يصبح باهظاً لدرجة تخرج السفن الصغيرة من السوق، مما يفاقم من أزمة سلاسل التوريد”.
سيناريوهات محفوفة بالمخاطر
يجمع المحللون على أن المرحلة القادمة ستشهد ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
المناوشات المحدودة (السيناريو المرجح): استمرار سياسة “حافة الهاوية” عبر حوادث أمنية صغيرة، وضغوط قانونية عبر هيئات إدارة المضيق الإيرانية، دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تنهي الاتفاق كلياً.
التصعيد الاستخباري-العسكري: إذا فشلت مفاوضات الـ 60 يوماً، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى عمليات مرافقة عسكرية أكثر قوة، مما يرفع احتمالية الاشتباك المباشر مع القوات البحرية الإيرانية. التوافق الاضطراري: ضغوط من القوى الدولية (بما في ذلك الصين ودول آسيوية متضررة مثل كوريا الجنوبية) قد تدفع الطرفين إلى “هدنة فنية” تفصل بين القضايا السياسية النووية وبين أمن الملاحة لضمان تدفق الطاقة. الخاتمة: مستقبل مرهون بإرادة التسوية
إن إيران من خلال تشديد قبضتها على المضيق، والولايات المتحدة عبر رفضها لهذا التوجه، يضعان المنطقة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانتقال من “الاتفاق المبدئي” إلى “حل سياسي شامل” يعالج هواجس الطرفين الأمنية، أو الغرق مجدداً في حلقة مفرغة من المواجهات التي لن تجلب إلا المزيد من عدم الاستقرار.
يظل مضيق هرمز بمثابة “الوتر الحساس” للنظام العالمي؛ فكلما اهتز في طهران أو واشنطن، ارتجفت معه بورصات العالم وأمن الطاقة فيه. إن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة ليس فقط لمستقبل الاتفاق، بل للمسار الذي ستتخذه المنطقة بأكملها في مواجهة تحدياتها الوجودية.
سؤال للمتابعة: في ضوء تعثر المفاوضات وتصاعد الحوادث الأمنية، هل المجتمع الدولي سيتمكن من فرض مسارات ملاحية دولية محمية بعيداً عن السيطرة الإيرانية، أم أن طهران ستنجح في فرض أمر واقع جديد في المضيق؟
