تفاصيل نظام الدعم النقدي المقترح في مصر

"محفظة سلع مالية" على بطاقات التموين

تخطط مصر للانتقال من الدعم الغذائي العيني إلى نظام دعم نقدي أو ذي قيمة نقدية في السنة المالية 2026/2027، ومن المتوقع أن يتم إدخال الإصلاح تدريجياً، ومن المرجح أن تكون بورسعيد أول محافظة تجريبية قبل أي تطبيق على مستوى البلاد.

النظام المقترح ليس بالضرورة عبارة عن دفع نقدي غير مقيد مباشرة إلى أيدي المواطنين.

وصف وزير التموين شريف فاروق الأمر بأنه “محفظة سلع مالية” على بطاقات التموين، حيث تُحسب قيمتها وفقًا لأسعار السلع. وسيستخدم المستفيدون البطاقة لشراء السلع حسب احتياجات أسرهم.

قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن المستفيدين المؤهلين سيتم تقسيمهم إلى شرائح بناءً على أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ضمن نظام الدعم النقدي المقترح ذي المستويات المتدرجة. وأشار إلى أن الفئات الأكثر ضعفاً ستحصل على أعلى مستوى من الدعم، بينما ستحصل الفئات الأقل احتياجاً على مبالغ أقل وفقاً لإطار عمل متدرج.

وتقول الحكومة إن النظام الجديد يهدف إلى معالجة أوجه القصور في هيكل الدعم الحالي، وتحسين الاستهداف، والحد من التسرب، وضمان وصول الدعم إلى الأسر المؤهلة بشكل مباشر.

الدعم العيني

لا تزال إعانات الغذاء إحدى أكبر أدوات الحماية الاجتماعية في مصر. وقد صرح وزير المالية أحمد كوشوك أمام البرلمان بأن حوالي 21 مليون أسرة، أو ما يقرب من 67 مليون شخص، يحملون بطاقات تموينية.

وقال مدبولي: “لا تسعى الدولة إلى تقليل قيمة الإعانات المخصصة في الميزانية؛ بل تهدف إلى ضمان وصول الدعم إلى أولئك الذين يحتاجون إليه حقًا”.

يخصص مشروع ميزانية السنة المالية 2026/27 مبلغ 178.3 مليار جنيه مصري لدعم السلع الغذائية، بزيادة قدرها 11 بالمائة.

يبلغ الدعم الحالي لبطاقات التموين حوالي 50 جنيهاً مصرياً للفرد شهرياً، وفقاً لتصريحات وزارة التموين التي وردت في التغطية المحلية. أما الخبز البلدي المدعوم فيصل إلى شريحة أوسع، إذ يخدم نحو 71 مليون مواطن.

رُفع سعر الخبز المدعوم في يونيو 2024 من 0.05 جنيه مصري إلى 0.20 جنيه مصري للرغيف، وهي أول زيادة منذ عقود. وتنتج مصر نحو 100 مليار رغيف مدعوم سنوياً، مما يُبرز حساسية إصلاح قطاع الخبز سياسياً.

وأشار مادبويلي إلى أن أوجه القصور لا تزال قائمة في نظام الدعم الحالي، مستشهداً بأن نظام الخبز المدعوم يعاني من تسرب ناتج عن عدم الكفاءة بنسبة 25% على الأقل، مما يعني أنه من أصل 140 مليار جنيه مصري مخصصة لدعم الخبز، فإن 35 مليار جنيه مصري على الأقل لا تصل إلى المستفيدين الفعليين، مؤكداً أن الإصلاح المخطط له يهدف إلى ضمان العدالة الاجتماعية الحقيقية.

تفاصيل النظام النقدي

بموجب النموذج المقترح، يمكن للمستفيدين استخدام رصيد بطاقات التموين الخاصة بهم في سلاسل متاجر القطاع الخاص، والمتاجر الكبرى، وحوالي 40 ألف منفذ بيع قائم، بما في ذلك محلات البقالة التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية.

ستتوسع قائمة السلع المتاحة لتشمل أكثر من 80 صنفًا، مقارنةً بحوالي 23 صنفًا في النظام الحالي. ويمكن أن تتضمن السلة مواد غذائية أساسية، ولحومًا، ودواجن، ومنتجات ألبان، ومنظفات، مما يمنح الأسر خيارات أوسع.

وقال المسؤولون إن قيمة الدعم النقدي ستتم مراجعتها دورياً بما يتماشى مع تحركات الأسعار والتضخم، وهي قضية رئيسية نظراً للمخاوف من أن المدفوعات النقدية يمكن أن تفقد قوتها الشرائية بسرعة خلال موجات التضخم.

لم تُعلن الحكومة رسميًا عن القيمة النهائية للدعم المقترح للفرد. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان الخبز المدعوم سيُدمج بالكامل في المحفظة النقدية الجديدة منذ البداية، أم سيُدمج تدريجيًا لاحقًا، أم سيُعامل بشكل منفصل خلال المرحلة التجريبية.

قال النائب مصطفى بكري إن هذا التغيير قد يُخرج نحو 830 ألف شخص من نظام بطاقات التموين. وتشمل الاستثناءات المحتملة سكان المجمعات السكنية الفاخرة، وأولياء أمور الأطفال الملتحقين بمدارس اللغات الخاصة، ومالكي سيارات موديل 2025 و2026 ذات محركات تزيد سعتها عن 2000 سي سي، ومن يتقاضون أكثر من 24 ألف جنيه مصري شهرياً، وأصحاب الأعمال، والمدانين بسرقة الكهرباء، ومالكي أكثر من 10 أفدنة من الأراضي الزراعية.

هل هناك مزيا من الدعم النقدي؟

يقول المؤيدون إن الإعانات النقدية قد تُحسّن الاستهداف، وتقلل من تسرب السوق السوداء، وتمنح الأسر مرونة أكبر من سلال المساعدات العينية الثابتة. كما يجادلون بأن تحويل قيمة الإعانة إلى المواطنين بدلاً من السلع قد يجعل النظام أسهل في المراقبة وأقل عرضة للهدر.

كما أن الاستخدام المخطط له للسلاسل الخاصة ومحلات السوبر ماركت يمكن أن يزيد من المنافسة ويحسن جودة المنتج، شريطة وجود رقابة قوية.

يحذر النقاد من أن الدعم النقدي قد يتآكل بسرعة بفعل التضخم ما لم يتم ربطه تلقائياً بأسعار المواد الغذائية. وقال النائب فريدي الأبيض إن نظام الدعم الحالي لا يزال يمثل “خط الدفاع الأخير” لملايين الأسر في مواجهة الفقر وتراجع القدرة الشرائية، محذراً من أن المدفوعات النقدية قد “تبتلعها” التضخم.

وتشمل المخاوف الأخرى احتمالية وجود أخطاء في قواعد بيانات المستفيدين، وقواعد الاستبعاد غير الواضحة، وآليات التظلم الضعيفة، وخطر فقدان الأسر الضعيفة إمكانية الحصول على ضمانات غذائية أساسية، وخاصة الخبز.

أشار رئيس الوزراء إلى وجود اتجاه عالمي نحو تقديم الدعم النقدي. وأضاف أن برامج ناجحة مثل “تكافل” و”كرامة” ، إلى جانب قاعدة بيانات تغطي أكثر من 90% من المواطنين، قد مكّنت مصر من تطبيق نظام دعم نقدي ديناميكي يصنف الأسر حسب احتياجاتها ويوجه المساعدة إلى الفئات الأكثر ضعفاً.

إندونيسيا: السيولة النقدية بعد إصلاح دعم الوقود

أطلقت إندونيسيا برنامج التحويلات النقدية Bantuan Langsung Tunai (BLT) بعد ارتفاع أسعار الوقود بشكل كبير في عام 2005. وقد وصل البرنامج إلى حوالي 19.2 مليون أسرة وكان مصممًا لتخفيف صدمة ارتفاع أسعار الوقود عن الأسر الفقيرة.

تُظهر الحالة الإندونيسية سبب تحوّل الحكومات من دعم الأسعار إلى الدعم النقدي: فقد كان دعم الوقود غير عادل، إذ استفادت منه الأسر الأكثر ثراءً بشكل أكبر لأنها تستهلك كميات أكبر من الوقود. وخلص تحليل البنك الدولي إلى أن إنفاق 1% من الناتج المحلي الإجمالي على التحويلات النقدية المباشرة يمكن أن يقلل الفقر بنسبة 6.4 نقطة مئوية، مقارنةً بـ 1.2 نقطة مئوية إذا أُنفق المبلغ نفسه على دعم الوقود.

درس لمصر: يمكن للتعويض النقدي أن يحمي الأسر الفقيرة بشكل أفضل من دعم الأسعار الواسع، ولكن يجب تقديمه قبل ارتفاع الأسعار وأن يكون مدعوماً باستهداف دقيق.

الهند: دعم غاز البترول المسال عبر الحسابات المصرفية

حوّلت الهند دعم غاز الطهي في إطار برنامج “باهال” من دعم الأسعار إلى التحويلات المباشرة إلى الحسابات المصرفية. اشترى المستهلكون غاز البترول المسال بسعر السوق وتلقوا الدعم مباشرةً. وبحلول عام 2015، غطى البرنامج حوالي 139 مليون أسرة. كما ساهم في القضاء على عشرات الملايين من توصيلات غاز البترول المسال المزيفة أو المكررة أو غير النشطة.

الأردن: التحويل النقدي الموحد

قام الأردن بتوسيع برنامج التحويلات النقدية لصندوق المعونة الوطنية من 97 ألف أسرة في عام 2018 إلى 220 ألف أسرة في عام 2023. وقال البنك الدولي إن البرنامج غطى ما يقدر بنحو 62% من الفقراء في عام 2021 وخفض نسبة الفقر بمقدار 1.4 نقطة مئوية.

المغرب: المنفعة الاجتماعية المباشرة

أطلق المغرب برنامج الإعانة الاجتماعية المباشرة في ديسمبر 2023، وبحلول مارس 2025، وصل البرنامج إلى أكثر من 3.9 مليون أسرة. ويرتبط البرنامج بالسجل الاجتماعي الوطني المغربي، ويشكل جزءاً من إصلاح شامل للحماية الاجتماعية.

المملكة العربية السعودية: حساب المواطن

أطلقت المملكة العربية السعودية برنامج حساب المواطن لتعويض الأسر عن إصلاحات أسعار الطاقة، وضريبة القيمة المضافة، وغيرها من التغييرات المالية. وقدّرت ميزانية عام 2018 الإنفاق على البرنامج بنحو 32 مليار ريال سعودي.

إيران: تعويضات نقدية على النمط الشامل

أدى إصلاح الدعم الحكومي في إيران عام 2010 إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والخبز، ودفع حوالي 45 دولارًا أمريكيًا للفرد شهريًا لمعظم السكان. وشمل البرنامج حوالي 73 مليون شخص، وبلغت تكلفته حوالي 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

درس لمصر: يمكن للتعويضات الواسعة أن تقلل الاضطرابات في البداية، لكنها قد تصبح غير مستدامة مالياً وتفقد قيمتها بسبب التضخم.

البرازيل والمكسيك: التحويلات النقدية المشروطة

أصبح برنامجا “بولسا فاميليا” البرازيلي و”بروغريسا/أوبورتونيداديس/بروسبيرا” المكسيكي نموذجين عالميين للتحويلات النقدية المشروطة. ووفقًا للبنك الدولي، وصل البرنامج المكسيكي إلى ما يقرب من ستة ملايين أسرة، وتم تطبيقه في 52 دولة.

 

اترك تعليقا