كيفَ يخدعُ الدجّالونَ ضحاياهم؟

رضا الحديثي يكتب

خريطة تفكيك سيكولوجية التضليل-
—-
رغم التباين الظاهري بين ميدان الدين والأيديولوجيا وميدان الطب والعلاج، إلا أن المنهجية السيكولوجية المعتمَدة في خداع الجماهير واختطاف وعيها تتبع دليلاً تشغيلياً واحداً لا يتغير بتغير الزمان أو المكان.

إن ظاهرة جذب الشباب السُّذّج إلى سراديب التشدد الفكري والمناكفات العقدية الموجهة، وظاهرة سَوق المرضى والمحتاجين وراء سراب العلاج غير العلمي والممارسات الطبية الزائفة حتى يصلوا إلى مرحلة الهوس وتقديس المتبوع، تلتقيان عند نقطة حرجة واحدة: تعطيل أدوات النقد وصناعة “المُخلّص الوهمي”.

في السطور التالية، نصيغ “قواعد التضليل” مستلهمةً من المنظور القرآني العميق الذي فكك هذه الظواهر الإنسانية المتكررة.

🔴 القواعد القرآنية الخمس في كشف منهجية الدجل والتضليل:

1️⃣ القاعدة الأولى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} الأنعام 112 .. (تغليف الباطل بـ “الزخرف”)
الدجل لا يأتي عارياً أبداً؛ بل يحتاج إلى غلاف مبهر يعمي الضحية عن رؤية التناقضات الكامنة في المتن.
• في الميدان الديني: يتم استخدام نبرة حاسمة وصراخ حماسي مشحون بالمصطلحات التراثية المعقدة ليوهم الشاب الساذج أنه أمام “حامي العقيدة وحارس الفضيلة”، مما يداعب غروره الفكري ويشعره بالتميز عن أقرانه.
• في الميدان الطبي: يتم استخدام مصطلحات شبه علمية رنانة، وتركيب عبارات غامضة ومغرية توحي بامتلاك أسرار الشفاء الإعجازي والطبيعي، مستغلاً حاجة المريض النفسية للتعلق بأي قشة نجاة بعيداً عن صرامة الطب التقليدي.

2️⃣ القاعدة الثانية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} التوبة 31.. (إلغاء المنهج وتقديس الرمز)
تعتمد هذه القاعدة على نقل الضحية من مساحة “البحث عن الدليل والبرهان” إلى مساحة “التسليم المطلق للشخص”.
• يتحول المتبوع في عين أتباعه إلى ميزان الحق والباطل؛ فإذا أحلّ شيئاً استحلوه، وإذا أسقط أحداً أسقطوه.
• يصبح كلام الدجال (سواء في الدين أو في بروتوكولات العلاج غير العلمي) فوق النقد، وتُلغى تماماً سلطة المؤسسات العلمية والشرعية المعتمدة لصالح “كاريزما الرمز”، مما يمهد للوصول التام لمرحلة التقديس الأعمى.

3️⃣ القاعدة الثالثة: {وإن منهم لفريقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وما هو من الكتاب} ال عمران 78 .. (تزييف المرجعيات ولَيّ المصطلحات)
لا يخترع المخادع لغة جديدة بالكامل، بل يقتات على المرجعيات المحترمة لدى المجتمع، ويقوم بـ “لَيّها” وتطويعها لخدمة أجندته الخاصة.
• تحريف السياق الشرعي: يتم اجتزاء النصوص الدينية، والآثار، والفتاوى من سياقاتها الصحيحة وتوظيفها لتصفية الحسابات الفكرية وإسقاط المخالفين، ليوهم الساذج أن هذا هو “الحق المحض”.
• تحريف السياق العلمي: يتم أخذ مصطلحات طبية حقيقية أو دراسات منقوصة غير معترف بها، وخلطها بوصفات واهية ونظريات زائفة لا تدعمها أي أوراق بحثية رصينة، لتبدو الهرطقة الطبية وكأنها “علم حديث ومتقدم”.

4️⃣ القاعدة الرابعة: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} الزخرف 54.. (استخفاف العقول وعزل الضحية)
التضليل لا ينجح إلا بحظر التفكير النقدي، وعزل المستهدفين داخل فقاعة معرفية مغلقة وشيطنة كل ما هو خارجها.
• يقوم الدجال بهدم ثقة أتباعه في كل المرجعيات البديلة؛ فيتحول الأطباء والمستشفيات المعتمدة إلى “تجار دواء ومؤامرة عالمية”، ويتحول العلماء والفقهاء الثقاة إلى “مميّعين أو جهلة”.
• بمجرد نجاح عملية “الاستخفاف” وهدم المرجعيات، تفقد الضحية بوصلة التقييم الذاتي، وتصبح تابعة بشكل كلي ومطيع لأوامر المتبوع دون أدنى تفكير.

5️⃣ القاعدة الخامسة: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} الأنعام 116 .. (الاعتماد على التخرّص والهروب من القياس)
يهرب أدعياء الدين والطب البديل الزائف دائماً من أدوات القياس والتحقق الصارمة، ويلجأون بدلاً منها إلى مساحات رمادية تعتمد على الظنون والتجارب الفردية الموجهة.
• يتم استبدال المنهجية العلمية والشرعية المنضبطة بنشر لقطات مجتزأة لـ “شهادات نجاح” أو تجارب فردية غير خاضعة للرقابة، مستغلين الجهل السائد بالفارق بين “الحقيقة الثابتة” وبين “الخرص والتخمين القائم على البروباجندا والتسويق الرقمي”.

❌ ختاماً..
يكشف لنا القرآن الكريم المشهد الختامي الحتمي الذي تنتهي إليه هذه العلاقات المشوهة القائمة على إلغاء العقل والتقديس الزائف، حيث تتحول التبعية العمياء إلى صدمة نفسية ومعرفية مروعة لحظة اصطدامها بالواقع والوعي الحقيقي:
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} [البقرة: 166-167].

إن مواجهة الدجل لا تحتاج لملاحقة الأشخاص، بل لإيقاظ العقول؛ فانتبه أن تكون الساذج وقد آتاك الله القرآن ليهديك، واحذر أن تكون الضحية وقد أعطاك الله كل أسباب الهداية والتثبت.

رضا الحديثي

اترك تعليقا