تكهنات مبتدئي السياسة
عمرو عبد العرير يكتب
- dr-naga
- 12 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- السياسة
من أبرز ما يُفرِّق محب السياسة ومثقفها العامي فيها عن عالم السياسة، حسبان الأول أن السياسة هي القدرة على توقع المستقبل، فتجده يجتهد في قمار التوقعات، ويصل الحال بالبعض إلى القسم على مسار محدد، وحتى تزييف الواقع من أجل مطابقة رؤاه، بل نجد من يكتب عدة منشورات بتوقعات متناقضة يخفي بعضها ويُظهر بعضها الآخر مستقبلا بحسب أيها طابق، أو يتقن التحدث بلغة نبؤات العرافين والكهان الغامضة حمالة الأوجه والمعاني كي تُفسَّر مستقبلا بأثر رجعي كيفما اتفق المآل، وهي طريقة كهنة دلفي الشهيرة وأرباب السحر والتنجيم تاريخيا. يحسب أولئك أن كلما زادت صحة توقعاتهم ترسخت مكانتهم وعلومهم! إنما يستقرون بأفعالهم تلك نقباءً لغير المتخصصين والجهال وهم لا يشعرون!
أما عالم السياسة فيجتهد كي يُحلل الوقائع الجارية، ثم إذا طُلِب منه توقع تحاشاه قدر الإمكان، فإن اضطُر يضع حينئذٍ أكبر قدر ممكن من التصورات وقد يُفضِّل أن يبتعد عن ترجيح أيها الأقرب، لغلبة المفاجآت في هذا النظام الإنساني والاجتماعي المتبدِّل، وغياب نطاق ضخم من الصورة في دهاليز الأسرار التي لا يطلع عليها إلا نخبة صناع القرار، وخطورة اشتهاره بالتوقعات الخاطئة إن أكثر منها وبالتالي اهتزاز مكانته العلمية بالمقامرات.
والأمر أشبه بالفرق بين العامي أو طالب العلم الشرعي المبتدئ، الذي يكثر من (الاجتهاد) والإفتاء في النوازل والمستحدثات، وبين العالم الراسخ الذي يتحاشى الخروج عن مذهبه، أو التجرؤ على الفُتيا في الأمور الكبار، هذا وهو أقدر على الاجتهاد والفُتيا ولو خالف المتقدمين من الأول، لكن لما كان يعلم مشقة الاجتهاد وعُسر أدواته، ومخاطر الزلل في المستحدثات والنوازل وكيف تخفض صاحبها دنيا أو آخرة أو كليهما، كان يتحاشى الخروج عن صراط الاتباع واطمئنانه إلى وحشة الاستقلال وقلقه.
فهذا ضابط مهم أحسب أن الإسلاميين قبل غيرهم من أحوج الناس إلى معرفته، ولو أدركوه لأسقطوا العديد من المؤثرين البارزين، كلامهم في السياسة لا يخرج عن كلام العامة، لكنهم يلبسونه بمكانتهم الثقافية أو الشرعية لبوسا آخر، والحق أنهم يصيرون بذلك أقرب للمنجمين والكُهَّان من المحللين السياسيين، فهداهم الله، وكفى المؤمنين خيباتهم.