كيف أعادت الأزمة الإيرانية تشكيل الرأي العام العربي؟

الصراع الإقليمي وإعادة صياغة الوعي الشعبي

الرائد: تابعت الأوساط الإعلامية والسياسية في العالم العربي والإسلامي خلال الأسبوع الماضي التطورات المتسارعة للأزمة الإيرانية. وفي حين شنت الولايات المتحدة ضربات عسكرية، جاء إعلان الرئيس الأمريكي في 11 يونيو بإيقاف الجولة الثالثة من الضربات بحجة “التقدم في مفاوضات السلام” ليشكل مادة دسمة للتحليل في العواصم العربية.

سلطت وسائل الإعلام العربية الضوء على التباين الصارخ بين النهج الأمريكي القائم على الخيار العسكري، والموقفين الصيني والروسي اللذين تصدرا المشهد الدبلوماسي المطالب بضبط النفس. هذا التباين خلق نقاشاً واسعاً في الشارع العربي حول جدوى الاعتماد على واشنطن كأداة وحيدة لإدارة أزمات المنطقة.

الصراع الإقليمي وإعادة صياغة الوعي الشعبي

أعاد التباين الإقليمي والدولي في إدارة الأزمة الإيرانية صياغة توجهات الرأي العام العربي بشكل ملموس، مدفوعاً بتسارع التحولات الجيوسياسية العميقة في منطقة الشرق الأوسط. ولم تعد التقييمات الشعبية العربية تدور في فلك الانقسامات الأيديولوجية أو المذهبية التقليدية فحسب؛ بل باتت محكومة ببراغماتية واضحة ترصد كلفة المواجهات العسكرية، والمكاسب الاستراتيجية المحققة، ومدى تأثير هذا التصعيد المستمر على استقرار الدول والشعوب وأمنها القومي.
 الخلفية التاريخية: 
لطالما تأرجحت العلاقة بين “الشارع العربي” والولايات المتحدة بين مد وجزر، لكنها تضررت بشدة بعد غزو العراق في 2003، وحروب الربيع العربي. تاريخياً، كان الرأي العام العربي ينظر إلى واشنطن كراعٍ للسلام، لكن الحروب الطويلة حولت هذه النظرة إلى شك عميق. في المقابل، حافظت الصين على صورة إيجابية بسبب عدم تدخلها العسكري، بينما استخدمت روسيا نفوذها العسكري في سوريا لتقديم نفسها كصانع قرار لا يمكن تجاوزه. الأزمات المتتالية، وآخرها التصعيد في يونيو 2026، عززت قناعة النخب والجمهور العربي بأن النظام العالمي الأحادي قد ولى، وأن التعددية القطبية التي تقودها بكين وموسكو توفر هامشاً أكبر من المناورة للدول العربية.
الانقسام الشعبي: بين التوجس التاريخي والتعاطف المرحلي
وتتجلى ملامح هذا التحول في انقسام الشارع العربي إلى تيارات متباينة الرؤى والأولويات تجاه الدور الإيراني في المنطقة. حيث يتصدر المشهد تيار “التوجس التاريخي” الذي يرى في الأنشطة الإيرانية الإقليمية، وهجماتها المباشرة أو عبر وكلائها، خطراً مستمراً يهدد السيادة الوطنية والسلم الأهلي في عدة عواصم عربية. في المقابل، يبرز تيار “التعاطف المرحلي” المرتبط بمدى انخراط طهران في دعم القضايا العربية الملحة أو مواجهة الخصوم المشتركين؛ وهو تيار يشهد صعوداً وهبوطاً متأثراً بطبيعة الأحداث الميدانية وسياسة “النفس الطويل” التي تعتمدها طهران في إدارة أزماتها الخارجية والداخلية.
البعد التنموي: رفض الحروب المفتوحة وتفضيل الاستقرار الاقتصادي
من جانب آخر، أسهم اتجاه بعض العواصم العربية نحو تبني دبلوماسية مرنة قائمة على “تصفير الأزمات” وتنويع الشراكات الدولية في دفع الرأي العام نحو تقييم الصراع من منظور اقتصادي وتنموي بحت. فقد أدركت المجتمعات العربية أن الحروب المفتوحة وحروب الاستنزاف لا تؤدي إلى حسم سريع، بل تفرض أعباءً ثقيلة تعطل مسارات التنمية وتضر بسلاسل الإمداد والأسواق المحلية. وبناءً على ذلك، تزايد الالتفاف الشعبي حول السياسات الحكومية التي ترفض الانزلاق إلى محاور عسكرية، وتفضل بدلاً من ذلك هندسة توازنات مرنة تحمي أمنها الإقليمي دون التضحية بمصالحها الاقتصادية.
نحو رأي عام عربي أكثر نضجاً وموضوعية
وفي المحصلة، يعكس المشهد الحالي ولادة رأي عام عربي أكثر نضجاً ووعياً بطبيعة القوى الفاعلة في المنطقة. حيث يراقب الشارع العربي من كثب التناقضات الداخلية في بنية النظام الإيراني، والضغوط المعيشية والاحتجاجات التي تواجه مجتمعه، مما يزيل الهالة الدعائية الكلاسيكية ويستبدلها بقراءة موضوعية تعيد تعريف المصلحة العربية العليا بعيداً عن الاستقطابات الحادة والخطابات العاطفية الجاهزة.
بناءً على أحدث بيانات مسوح الرأي العام الإقليمية مثل “المؤشر العربي” الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات واستطلاعات شبكة”البارومتر العربي”،كيف أدارت المجتمعات العربية تقييمها للأزمة الإيرانية بناءً على الوقائع الميدانية والأبعاد التنموية؟
البراغماتية الشعبية: إعادة ترتيب مصادر التهديد
شهدت نظرة الشارع العربي تجاه مصادر التهديد تحولاً جوهرياً فرضته طبيعة إدارة الأزمات العسكرية والدبلوماسية في المنطقة. ووفقاً لنتائج “المؤشر العربي”، فإن 6% فقط من عموم المستطلعين العرب باتوا يصنفون إيران كأبرز تهديد يواجه الأمن القومي العربي، وهي النسبة الأدنى المسجلة منذ عام 2012. ويعود هذا التراجع الإحصائي إلى تركيز الرأي العام على التهديدات المباشرة الأخرى، حيث تصدرت إسرائيل المشهد بنسبة 46% تلتها الولايات المتحدة بنسبة 33% (كما أظهرت الأرقام التفصيلية في النموذج اللبناني على سبيل المثال)، مما يوضح أن إدارة الصراع أعادت توجيه البوصلة الشعبية نحو ترتيب الأولويات الأمنية. 
المعادلة السعودية الحذرة: التوازن بين الردع والاستقرار
يقدم الشارع السعودي نموذجاً دقيقاً لـ “الوعي البراغماتي” الذي يوازن بين الرغبة في تحجيم النفوذ الإيراني وكلفة الحروب المفتوحة التي تهدد الطموحات التنموية (مثل رؤية 2030).
وتكشف استطلاعات الرأي الحديثة الخاصة بـ “الحرب مع إيران” عن انقسام موزون ومائل للاعتدال؛ حيث أيد 61% من السعوديين في منتصف العمر اتخاذ عمل عسكري رادع، مقارنة بنحو 45% بين فئة الشباب. وتتجلى النضج السياسي بوضوح في غياب التطرف الجماهيري، إذ إن 15% فقط أيدوا الخيار العسكري بقوة، بينما عارضه 16% بقوة. هذه الأرقام تعكس التزام الأغلبية بالمواقف الوسطية الحذرة، والتفافها حول سياسة الرياض الرسمية التي تفضل الضغط الدبلوماسي وتجنب الانزلاق لصدام مباشر يستنزف المقدرات الاقتصادية. 
التعاطف المرحلي: تجاوز الطائفية لصالح عدالة القضايا
أثبتت الأرقام أن التباين في الموقف من إيران لم يعد محكوماً بالانقسام المذهبي (سنة وشيعة)، بل بمدى تقاطع سياسات طهران مع القضايا العربية الملحة، لاسيما الحرب في غزة. وبحسب بيانات “البارومتر العربي”، فإن نسب تقييم السياسة الإيرانية قفزت بشكل حاد مقارنة بالأعوام السابقة (حيث كانت نسبة الرضا قبل ذلك لا تتعدى 30%)؛ لترتفع بمقدار 20 نقطة مئوية في العراق، و12 نقطة مئوية في فلسطين. وفي تقييم إجمالي لـ 15 دولة عربية، صنف 13% من المواطنين العرب السياسة الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية بأنها “جيدة جداً”، مما وضعها في مرتبة متقدمة إقليمياً، ليتجاوز الرأي العام الموقف الإيديولوجي السلبي ويتبنى فلسفة “عدو عدوي صديقي” بشكل مرحلي مؤقت. 
المفارقة الكبرى: تباين الرضا الخارجي والسخط الداخلي
بينما تشير الإحصاءات إلى تحسن نسبي في شعبية السياسات الخارجية الإيرانية في بعض الأوساط العربية بسبب ملفات إقليمية، يراقب الشارع العربي بوعي تام عمق الأزمة الداخلية للنظام الإيراني. وتكشف البيانات المسربة من استطلاعات داخلية بتكليف من الرئاسة الإيرانية (مثل مركز “إيسبا”) أن نسبة السخط الشعبي الداخلي في إيران وصلت إلى 92% نتيجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية. هذا التباين الضخم (سخط داخلي ساحق مقابل مكاسب دعائية خارجية) يمنح الرأي العام العربي رؤية واقعية تجعله يدرك أن النموذج الإيراني يعاني من هشاشة بنيوية واقتصادية، مما يبدد فكرة “الوحش الذي لا يقهر” ويستبدلها بقراءة موضوعية لواقع القوى الإقليمية.
 التوقعات المستقبلية: 

إن التباين في إدارة الأزمة خلال هذا الأسبوع سيترك تداعيات عميقة على المستوى الشعبي والرسمي. يُتوقع أن تواجه الإدارات الأمريكية ضغوطاً هائلة من حلفائها العرب لوقف استخدام الخيار العسكري الأحادي في المنطقة. على المستوى الاستراتيجي، ستعمل الدول العربية على “تأمين نفسها” عبر الانضمام الرسمي والمباشر إلى آليات أمنية تابعة لمنظمة شنغهاي للتعاون أو بريكس، مما يخلق نوعاً من “التحالف الدفاعي المتقاطع”. كما يُتوقع أن نرى حملات إعلامية وثقافية عربية مشتركة مع روسيا والصين لتعزيز سرديات إعلامية موحدة ترفض التدخلات الغربية في شؤون الشرق الأوسط.

المصادر:
[4] Arab News: “#AmjadRasmiCartoon – 04 June 2026”, June 4, 2026.
[28] PBS News Hour: “June 11, 2026 – PBS News Hour full episode”, June 11, 2026.مستفاد من الذكاء الاصطناعي

اترك تعليقا