البعد عن التكلف ارفق بالنفس وآنس للعلاقات

محمد سعد الأزهري يكتب

أحب الأماكن التي أتعامل فيها ببساطة.

أحب البيت الذي تستطيع أن تدخل فيه فتجلس كما أنت.
لا تحتاج أن تصطنع هيئة.
ولا أن تراقب طريقة كلامك طول الوقت.
ولا أن تشعر أنك في اختبار اجتماعي طويل.

أحب الناس الذين إذا جلست معهم شعرت أنك لست مطالباً أن تثبت شيئاً.
لا تثبت ثقافتك.
ولا مكانتك.
ولا ذوقك.
ولا قدرتك على المجاملة.
ولا أنك فاهم كل شيء.

فقط تجلس، وتشرب، وتضحك، وتسكت أحياناً، ولا يفسرون صمتك بالترفّع عنهم، ولا بساطتك قلة قيمة، ولا تلقائيتك وكأنها نقصاً في الذوق.

أحب الطعام الذي يأتي ومعه روح البيت.
حتى لو كان قليلاً.
حتى لو كان عادياً.
حتى لو كان في طبق قديم.
لكن فيه دفء، وفيه ألفة، وفيه يد لا تريد أن تبهرني بقدر ما تريد أن تكرمني.

وأكره أن تتحول الجلسات إلى عروض صغيرة.
هذا يعرض بيته.
وهذا يعرض ذوقه.
وهذا يعرض إنفاقه.
وهذا يعرض طبقاته الاجتماعية.
ثم نخرج جميعاً متعبين، وقد ابتسمنا كثيراً، لكننا لم نرتح.

لماذا هذا الشعور؟

لأن النفس أحياناً لا تبحث عن الفخامة، بل عن البساطة.
لا تبحث عن التكييف، بل عن الدفء.
لا تبحث عن المكان الغالي، بل عن المكان الذي لا تحتاج فيه أن تمثل.
لا تبحث عن كثرة الأصناف، بل عن صدق الجلسة.
ولا تبحث عن الناس المبهرين، بل عن الناس الذين لا يستنزفونك.

البساطة تريح القلب لأنها تخلع عنه ثقل المقارنة، وثقل التصنع، وثقل إثبات أنك تستطيع!

لكن ينبغي أن نفهم شيئاً مهماً:

الحياة قد لا تناسبنا بهذه الطريقة البسيطة لفترة طويلة وعلى كل حال.
ففيها مسؤوليات، ومظاهر معتبرة أحياناً، ومناسبات تحتاج ترتيباً، وأعمال لها صورتها، ومجتمعات لها أعرافها.

لذلك فهذه البساطة ليست هروباً من الحياة، ولا رفضاً لكل نظام أو جمال أو ترتيب.

إنما هي استرواح.

نرجع إليها من وقت لآخر لنستعيد شيئاً من أنفسنا.
نجلس بلا تكلف.
نأكل بلا استعراض.
نتكلم بلا أقنعة.
ونتذكر أن أطيب ما في الحياة ليس أغلاها، بل أصدقها وأهدؤها وأقربها إلى القلب.

اترك تعليقا