فيدان: العالم يمر بتحولات في ظل تآكل المؤسسات الدولية

تركيا اختارت مواجهة هذه المرحلة وتحمل المسؤولية الإقليمية

الرائد- قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن العالم يمر بمرحلة تحولات عميقة وغير مسبوقة، في ظل تآكل فاعلية المؤسسات الدولية وتراجع قدرة النظام القائم على القواعد على احتواء الأزمات، مؤكدا أن تركيا اختارت مواجهة هذه المرحلة عبر الدبلوماسية وتحمل المسؤولية الإقليمية بدلا من انتظار عودة الاستقرار بصورته التقليدية.

وفي كلمة ألقاها خلال حوار نظمه المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية على هامش قمة “حوار شانغريلا” في سنغافورة، عرض فيدان رؤية أنقرة للتحولات الجارية في النظام الدولي، معتبرا أن العالم يعيش حالة اضطراب جيوسياسي تراكمت أسبابها على مدى سنوات طويلة.

وأوضح أن الأزمات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية المتزامنة كشفت هشاشة آليات الحوكمة العالمية، مشيرا إلى أن المؤسسات الدولية تواجه اختبارات غير مسبوقة، بينما تتزايد الصعوبات في التعامل مع الصدمات المتلاحقة التي تضرب مناطق مختلفة من العالم.

ورأى أن ما يحدث اليوم ليس نتيجة تطورات مفاجئة، بل ثمرة سنوات من إضعاف المؤسسات الدولية وتآكل المعايير التي استند إليها النظام العالمي، بالتزامن مع إعادة توزيع النفوذ الدولي وصعود مراكز قوة جديدة خارج الأطر التقليدية.

وأضاف أن العالم لم يعد قائما على مركز جذب واحد، بل أصبح أكثر تنوعا وتعددا، في وقت تفرض فيه مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والفضاء السيبراني معطيات مختلفة ستشكل ملامح القرن الحالي.

واعتبر فيدان أن أخطر مظاهر المرحلة الراهنة يتمثل في عجز المؤسسات الدولية عن التكيف مع المتغيرات، واستمرار بعض القوى في التعامل مع التحديات الجديدة بأدوات وأفكار تعود إلى حقب سابقة لم تعد قائمة.

ولفت إلى أن جزءا من الأزمة الحالية يرتبط بتراجع استعداد القوى الكبرى لتحمل الأعباء التي قامت عليها المنظومة الدولية طوال عقود، معتبرا أن كثيرا من الفاعلين ما زالوا ينتظرون عودة النظام القديم رغم المؤشرات المتزايدة على أن البيئة الدولية دخلت مرحلة مختلفة تماما.

وأكد أن تركيا ترفض الاستسلام لهذا الواقع، وتتبنى نهجا يقوم على “الدبلوماسية المسؤولة” والمسؤولية الإقليمية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لبناء الاستقرار وسط بيئة دولية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

وفي هذا السياق، شدد على أهمية الدور المتنامي للتكتلات الإقليمية، معتبرا أن الديناميكيات الإقليمية أصبحت تؤثر في صياغة السياسات الدولية أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يدفع أنقرة إلى العمل مع شركائها لبناء هندسة إقليمية أكثر استقرارا وازدهارا.

كما خص آسيا بحيز واسع من حديثه، مؤكدا أن القارة أصبحت أحد أبرز مراكز الثقل العالمية بفضل تحولاتها الديموغرافية والتكنولوجية والاقتصادية، مشيدا بتجربة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في إدارة التوازنات الإقليمية.

وقال إن تركيا تنظر إلى “آسيان” باعتبارها شريكا إستراتيجيا مهما، معربة عن أملها في تطوير علاقة الشراكة الحالية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الكاملة خلال الفترة المقبلة.

وأشار إلى أن انفتاح تركيا على آسيا يستند إلى رؤية متعددة الأبعاد تشمل السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والثقافة، مؤكدا أن هذه العلاقات تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والمؤسسات الدائمة.

واعتبر أن موقع تركيا الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع أوروبا والشرق الأوسط والجنوب العالمي يمنحانها قدرة متزايدة على الإسهام في صناعة الاستقرار، من البحر الأسود والقوقاز إلى الخليج والقرن الأفريقي.

وخلال جلسة الأسئلة، تناول فيدان التحضيرات لقمة حلف شمال الأطلسي المقبلة، موضحا أن النقاشات ستركز على مستقبل الأمن الأوروبي، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز القدرات الصناعية العسكرية في ضوء الدروس المستخلصة من الحروب الأخيرة.

ورأى أن التحولات الجارية داخل الحلف تعكس نقاشا أوسع حول مستقبل تقاسم الأعباء الأمنية بين ضفتي الأطلسي، في ظل دعوات أمريكية متكررة للدول الأوروبية لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، وهو ما يفرض إعادة تقييم للأدوار التقليدية التي حكمت النظام الأمني الغربي لعقود.

وفي ملف أمن الطاقة، كشف عن مباحثات جارية لإحياء مسارات نقل الطاقة والبضائع بين الخليج وأوروبا عبر تركيا، مشيرا إلى أن إغلاق مضيق هرمز والتوترات الإقليمية أعادا طرح الحاجة إلى بدائل إستراتيجية أكثر استقرارا.

وقال إن أنقرة بدأت بالفعل مناقشات مع السعودية ودول أخرى لإحياء ممر يمتد عبر تركيا وسوريا والأردن وصولا إلى الخليج، مؤكدا أن الأزمات الأخيرة أظهرت أهمية تنويع مسارات التجارة والطاقة.

وفي ما يتعلق بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة، أكد وزير الخارجية التركي أن بلاده تبذل جهودا لدعم المسارات الدبلوماسية، معربا عن ثقته في رغبة الطرفين في خفض التصعيد ووقف إطلاق النار.

لكنه أبدى قلقا من السياسات الإسرائيلية في المنطقة، معتبرا أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تبدو معنية بتوفير الظروف الملائمة للتسويات السياسية، سواء في الملف الإيراني أو في الساحات الإقليمية الأخرى.

وأشار إلى أن مسؤولين إيرانيين أبلغوا أنقرة خلال اتصالات مباشرة أن استمرار التحركات الإسرائيلية في لبنان يزيد من حدة التوتر، في وقت تتواصل فيه المساعي السياسية الرامية إلى احتواء التصعيد.

وفي معرض حديثه عن الأزمات الإقليمية، شدد فيدان على أن تركيا تنتهج الموقف ذاته تجاه النزاعات في سوريا وغزة ولبنان وأوكرانيا، قائلا إن الحروب لا تنتج سوى الدمار، وإن الحوار يظل الخيار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار.

كما اعتبر أن تراجع الانخراط الأمريكي في بعض الملفات الإقليمية يفتح المجال أمام القوى والدول المعنية مباشرة بالأزمات للاضطلاع بدور أكبر في إدارتها، مؤكدا أن انتظار حلول تأتي من الخارج لم يعد خيارا عمليا، وأن دول المنطقة مطالبة بتطوير آلياتها الخاصة لمعالجة النزاعات وتعزيز الاستقرار.

وختم بالتأكيد على أن العالم يشهد مرحلة انتقالية تتطلب وضوحا في الرؤية وجرأة في اتخاذ القرار، مشددا على أن تركيا اختارت أن تكون من الدول التي تسعى إلى ملء الفراغات الناشئة عبر الدبلوماسية والتعاون الإقليمي، بدلا من انتظار حلول تأتي من الخارج.

*المصدر: الجزيرة

اترك تعليقا