غزة تحت وطأة الغلاء.. ارتفاع الأسعار بنسبة 500% وانكماش الأسواق
تقرير بالأرقام.. انهيار المنظومة المعيشية في قطاع غزة
الرائد: يشهد اقتصاد قطاع غزة انهياراً غير مسبوق بعد الحرب المدمرة، مع تراجع حاد في النشاط التجاري وارتفاع متسارع في الأسعار، في ظل قيود مشددة على دخول البضائع عبر المعابر، وفقاً لتقديرات الغرفة التجارية. وتشير البيانات إلى أن الأسعار ارتفعت بين 200 و500% مقارنة بما قبل الحرب، وهو ما يفسر القفزات التي يصفها التجار في الأسواق المحلية.
في أسواق غزة اليوم، لم تعد المعضلة تكمن في شح البضائع فحسب، بل في عجز المواطنين عن تأمين أبسط مقومات البقاء بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار الذي تخطى حاجز الـ 500%. فالخضروات والسلع الأساسية باتت تُباع بأسعار فلكية تفوق دخل العائلات النازحة بمراحل. يرسم هذا التقرير مشهداً واقعياً من قلب المعاناة، مستعرضاً التناقض الصارخ بين الارتفاع غير المسبوق للأسعار والانكماش الجاف للأسواق،حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان تحت وطأة التضخم والحصار الخانق.”
في سوق النصيرات، لم يعد السؤال: ما سعر هذه البضاعة؟ بل أصبح: هل سيبقى السعر نفسه حتى يعود الزبون غداً؟ ويقول أحمد أبو مغصيب، بائع ملابس: “ارتفعت القطعة من ثلاثة إلى خمسة إلى سبعة شيكل، وأنا مضطر أحملها على الزبون، وهو برضو ما عنده”. ويضيف أن حجم المبيعات تراجع من “دسات” يومية إلى “حبّة حبّتين”، مما يعكس انهيار القوة الشرائية.
وتُفرض رسوم “التنسيق” التي قد تتجاوز مئة ألف شيكل للشاحنة الواحدة، ضمن آلية تقيّد دخول البضائع عبر عدد محدود من التجار، ما أسهم في تركّز السيطرة على السوق ورفع التكاليف على باقي التجار. وتشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للقطاع تراجع إلى نحو 161 دولاراً للفرد سنوياً، فيما تجاوز التضخم 238%، وارتفع معدل البطالة إلى أكثر من 80%.
التحديات التي تواجهها غزة
وتواجه غزة تحديات، منها الحصار، وتدمير البنية التحتية، ونقص السيولة. لكن الخبراء يرون أن المساعدات الدولية، والمبادرات المحلية، والإرادة الشعبية، قد تمثل عوامل محفزة للصمود منها:
شلل مالي وانهيار اقتصادي غير مسبوق
يمر قطاع غزة بـ أزمة اقتصادية وإنسانية هي الأشد قسوة في تاريخه المعاصر. ووفقاً لبيانات البنك الدولي، شهد اقتصاد القطاع انكماشاً حاداً وغير مسبوق بنسبة تزيد عن 83%، ما أسفر عن هبوط مساهمة غزة في الناتج المحلي الفلسطيني الإجمالي من 17% تاريخياً إلى أقل من 3% حالياً. هذا الشلل التام دفع بمعدلات البطالة للقفز إلى مستويات قياسية بلغت 78%، لتتبخر معها مصادر دخل الأسر وتتآكل القدرة الشرائية للسكان بشكل كامل وسط غياب السيولة النقدية.
قيود خانقة على المعابر وشلل سلاسل التوريد
تتضاعف المعاناة جراء القيود المشددة المفروضة على المعابر التجارية وسلاسل التوريد. وتؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن استمرار حظر دخول مستلزمات الإنتاج الأساسية، مثل المعدات، وقطع الغيار الحرجة، والمولدات الاحتياطية، ونقص الوقود؛ أدى إلى إغلاق كامل للمصانع، والورش، والمنشآت الزراعية. وتُشير تقديرات التقييم السريع للأضرار (RDNA) الصادر بالتعاون بين البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أن حجم احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في القطاع قد تجاوز حاجز 71.5 مليار دولار نتيجة الدمار الهائل.
تضخم فلكي يهدد الأمن الغذائي بالانهيار
في ظل النقص الحاد للبضائع وشح الإمدادات التجارية، سجلت المواد الغذائية الأساسية والخضروات قفزات سعرية قياسية تجاوزت 500%. وبحسب أحدث تقارير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، لا يزال ما يقرب من 1.6 مليون نسمة يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد (المرحلة الثالثة أو أعلى). الأخطر من ذلك هو استمرار الفجوات الغذائية الحادة التي تضع أكثر من 101,000 طفل (بين عمر 6 أشهر و59 شهراً) تحت وطأة سوء التغذية الحاد، من بينهم 31,000 حالة تعاني من سوء التغذية الوخيم المهدد للحياة.
تداعي البنية التحتية والقطاع الصحي تحت وطأة التلوث
على الصعيد الخدمي، تعرضت شبكات المياه الصالحة للشرب، والكهرباء، والصرف الصحي لتدمير كلي، حيث تشير تقارير منظمة اليونيسف (UNICEF) إلى أن تأمين المياه الصالحة للشرب تحول إلى صراع يومي يخوضه 1.1 مليون طفل في غزة، مما ساهم في تسريع وتيرة انتشار الأوبئة. ويرافق ذلك انهيار شبكات إدارة النفايات والمياه العادمة وتكدسها قرب مراكز الإيواء. ويتزامن هذا التدهور البيئي مع عجز المستشفيات المتبقية عن مواجهة النقص الحاد في الأدوية المستوردة والمستهلكات الطبية الضرورية
مأساة النزوح المستمر وغياب السكن الملائم
تكتمل فصول الكارثة مع أزمة النزوح المهولة، حيث تسببت العمليات المستمرة في تهجير أكثر من مليوني إنسان (ما يقارب 90% من السكان)، يعيش معظمهم داخل خيام مهترئة ومراكز إيواء مؤقتة شديدة الاكتظاظ.
وتوضح تقارير الأونروا (UNRWA) والأمم المتحدة أن هذه التجمعات العشوائية تفتقر لأدنى مقومات الحماية من التقلبات الجوية الحادة وموجات البرد والأمطار، حيث تحظر القيود المفروضة على المعابر دخول مواد البناء والترميم، ما يترك مئات الآلاف من الأسر بلا مأوى آمن أو وسائل تدفئة.
أراء الخبراء والمحللين
– يقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر: “ما يجري في أسواق غزة يتجاوز موجة غلاء تقليدية إلى تحول بنيوي في شكل الاقتصاد. السوق لم يعد يعمل وفق قواعد العرض والطلب الطبيعية، بل وفق قيود مفروضة على الكميات الداخلة”.
– وتضيف الباحثة في الشؤون الإنسانية د. نادية حجازي: “نظام التنسيق خلق اقتصاداً مغلقاً يتحكم فيه عدد محدود من الفاعلين. هذا الواقع أفرز ما يمكن وصفه بـ’اقتصاد الندرة’، حيث لا يعكس حجم النقد المتداول النشاط الاقتصادي الحقيقي”.
– ويشير السياسي الفلسطيني د. مصطفى البرغوثي: “لا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن السياق السياسي. أي حل اقتصادي حقيقي يتطلب إنهاء الحصار وضمان حرية حركة البضائع والأشخاص”.
تؤكد الأرقام الصادمة الصادرة عن المؤسسات الأممية والبنك الدولي أن قطاع غزة لم يعد يواجه مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل يعيش حالة انهيار كامل وشامل للمنظومة الحياتية والتجارية إن قفز الأسعار بنسبة 500% وتلاشي القدرة الشرائية لـ 90% من السكان هما النتيجة الحتمية لاستمرار شلل المعابر وغياب السيولة النقدية.
وفي ظل تقديرات دولية تشير إلى أن فاتورة التعافي وإعادة الإعمار الأولي تجاوزت 71.5 مليار دولار، فإن أي محاولة لإنقاذ ما تبقى من البنية التحتية والمنظومة الغذائية تتطلب، أولاً وقبل كل شيء، تدخلاً دولياً حاسماً لفتح المعابر بشكل دائم، وتدفق المساعدات الإنسانية والسيولة النقدية بلا قيود، لإنقاذ أكثر من مليوني إنسان من كارثة إنسانية تزداد عمقاً مع كل دقيقة تمر.
المصادر:
– يورونيوز عربي، “اقتصاد ‘الحبّة والحبّتين’: كيف سحق نظام ‘التنسيق’ الأسواق في غزة”، 1 مايو 2026.
– الغرفة التجارية في غزة، تقرير أسعار المستهلك، مارس 2026.
– مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تقرير الأثر الاقتصادي للحرب على غزة، أبريل 2026.
مستفاد من الذكاء الاصطناعي