الحياة الوطنية

السيد عبد الله النديم

يزعم كثير من الناس أن الحياة الوطنية هي الجَمْهَرة أي تجمع الأمة في مكان متكثّرين متضامّين وليس كذلك. فإن وفرة العدد والتجمع لا يغني شيئاً مع الفراغ مع العلوم والصنائع الموصلين إلى توسيع دائرة العمران وحفظ الوطن مع العاديات بما ينشأُ عن العلوم من احتكاك الأفكار وتبادلها في تناول بواعث الاختراع والإتباع وبث النظام الهندسي والتحفظ الصحي والتحصن العسكري والإصلاح الزراعي والضبط الحسابي والإبداع الإنشائي والتعميم التجاري والتسهيل الآلي وحفظ الوحدة الوطنية في الأجناس القاطنة فيما يسمى وطناً بتوحيد القضاء والمعاملة وتمكين الطوائف من إجراء عاداتهم في مجامعهم وأعيادهم كلٌّ بما هو حق في معتقده جميل في عادته بلا حجر ولا تضييق وإطلاق حرية الإنشاء والمطبوعات إلى حد لا يبلغ تشويش الأفكار ولا المطاعن الدينية ولا الأهاجي الشخصية وفتح باب الاستيطان والمرور لمجاور ومعاهد وبعيد غير محارب وتبادل السياحة وتلقي المعارف بين الأمة ومعاهديها توسيعاً لنطاق الآداب والفنون وتعميم الأمن في أنحاء الوطن بضبط الوقائع والتضييق على الأشقياء واللصوص بالعقاب الشديد والتبصر ومراقبة أحوال الأفراد والالتفات إلى الأحزاب المضادة للوطن أو الدين أو السياسة وتبديد جموعهم أولاً فأولاً حرصاً على بقاء الملك وحفظاً للوحدة الوطنية من تجزيئها حول الأهواء والمقاصد المضرة أهلية كانت أو أجنبية.
وكل هذا لا يحصل بالتجمهر المجرد والتجمع البسيط إلا ترى أن هذا التجمع الخالي من المعارف لم ينفع فرانسا وانكلترة أيام مغالبة الرومانيين لهما واستيلائهم على المملكتين الأولى سنة ٩٤ والثانية سنة ٩٨ ولا نفع البروسية حين تغلبت عليها الطائفة التونيقية تحت رئاسة البرت البرند برغي سنة ١٢٤٩ ولا أهالي اغرونلند حيث تغلب عليهم البرتوغاليون سنة ٩٧٠ كما تغلبوا على الكاب سنة ١٤٨٣. ولا أهل كندة (بريطانية الجديدة) حيث تغلب عليها البنادقة سنة ١٤٩٨. ولا البرازيل حيث تغلب عليها الإنكليز سنة ١٥١٤. ولا بلاد الشيلي حيث فتحتها أسبانيا سنة ١٥١٤. كما فتحت بونس إيريس سنة ١٥١٥. وبلاد برغة سنة ١٥١٨. وبلاد المكسيك سنة ١٥٢١. وبلاد غوتيملا سنة ١٥٢٣. وبلاد البيرو سنة ١٥٢٤. وجزائر لوكيه وانتيلة سنة ١٤٩٤. وبلاد كلومبيا سنة ١٦٣٥. ولا نفع ايتاليا عند وقوعها في أيدي فرانسا ولا غير هذه من الممالك شرقية
وغربية فإن كثرة العدد مع فقد النظام والعُدد لم يفدها غير الدمار.
ص27 – الحياة الوطنية
فلما تربت هذه القطع تحت أحضان بعضها البعض وتحلى أهلها بالمعارف وملكوا زمام الصنائع دعتهم الأنفة من ذل التابعية لطلب عز الاستقلال الجنسي وإظهار المجد الوطني فقامت الطائفة المسماة أفرنكة وخلصت غالة (فرانسا) من الرومانيين سنة ٥٩٤ وقام الإيكوسكيون وخلصوا بريطانيا سنة ٤٤٨ ثم قامت طائفة الانكلو سكسونه واستبدت على الايكوسيين. وتخلص البرتوغاليون من أسبانيا واستقلوا سنة ١٦٤٠. وخرجت سيسيليا (صقلية) من يد فرانسا سنة ١٢٨٣.
وخرجت اغرونلند من يد البرتوغال سنة ١٤٠٨ ثم عادوا تحت سطوة الإنكليز سنة ١٧٢١. وخرجت البرازيل من يد الإنكليز سنة ١٧٢٢ وامتدت الحرب بين انكلترة وايتازونيا (أمريكا المتحدة) من سنة ١٧٧٥ إلى سنة ١٧٨٢ حيث خرجت من يدها واستقلت ثم حاربت أسبانيا فخلصت منها افلوريده سنة ١٨٠٣. وتخلصت ورتمبرغ من النمسا سنة ١٨٠٦. وانفصلت سكس من النمسا سنة ١٨٠٦. وتغلبت انكلترة على الكاب وطردت الفلمنك منها سنة ١٨٠٦. واستقلت بونس ايريس من أسبانيا سنة ١٨١٠. واستقلت بورغة سنة ١٨١١. واستقلت كولمبيا سنة ١٨١١. واستقلت غوتيملا سنة ١٨١٢. واستقلت هانوفرة من النمسا سنة ١٨١٤ وانفصلت طسكانه من ايطاليا سنة ١٨١٤. وانفصلت برمة من النمسا سنة ١٨١٤ كما انفصلت مودينه وهسالراره منها في تلك السنة. وتغلبت انكلترة على جزيرتي موريغه وردريغه وأخرجت فرانسا منهما سنة ١٨١٤ وانفصلت ممالك جرمانيا المتعاهدة من
ص28 – الحياة الوطنية
حماية فرانسا سنة ١٨١٤. وتغلبت انكلترة على جميع أراضي غيانة وطردت الفلمنك منها سنة ١٨١٤. واستولت الروسيا على مملكة له (بولونيا) سنة ١٨١٤. وتخلص الفلمنك والبلجيك من فرانسا سنة ١٨١٥. وتخلصت الشيلي من أسبانيا سنة ١٨١٨. وتخلصت المكسيك من أسبانيا سنة ١٨٢٠. وتخلصت جزيرة انتيلة الصغرى من فرانسا سنة ١٨٢١. وتخلصت البيرو من أسبانيا سنة ١٨٢١. وتخلصت كلومبيا من أسبانيا سنة ١٨٢٢. وتخلصت البيرو العليا من بونس ايريس سنة ١٨٢٥ وكل ذلك بتربية الأمم تحت أحضان بعضها البعض وتعليم الجاهل وتنبيه الغافل حتى إذا انبعثت الحياة الوطنية في أمة سارت خلف شرفها بما يؤهلها به العلم للسعي خلف
الكمال. وبهذه الحياة تغلبت الدول وتلونت بألوان شتى وتشكلت فتوحاتها وتقهقرها ومدنيتها وتوحشها وانحطاطها وارتفاعها وتابعيتها واستقلالها أشكالاً يخرجنا استقصاؤها عن الإيجاز اللازم للجريدة.
وهذا الذي ساق الأمم المحكومة بالغير لطلب عز الاستقلال فكثرت الثوار في جميع الأقطار بالتقليد لا بالعلم والمادة وهل ينجح ثائر تجردت جماهيره من المعارف وبعدت عن الصنائع والتفنن في الآلات واندفعت خلف الأهواء يسوق بعضهم بعضاً لغاية شخص أو تعصب

السيد عبد الله النديم – مفكر من الرواد
نشرت في جريدة الاستاذ بتاريخ ٨- ١٨٩٣

اترك تعليقا