وانقضى يوم عرفة لكن لم تتغير

د محمد علي يوسف يكتب

انقضى يوم عرفة..
ذلك اليوم الذي كنت تظن أنك ستخرج منه إنساناً آخر..
ثابتاً لا يهتز.
وفجأة عصيت!
تسري في صدرك برودةٌ موحشة، وتلاحظ بمرارةٍ كيف انطفأ وهج الأمس وكأن كل ما بنيتَه بشق الأنفس قد انهار في لحظة ضعف في ليلة العيد.
تلك اللحظة التي يُفترض أن تكون ذروة الفرح، لكنك تقف فيها في زاويةٍ قصيّة من روحك، تلملم شتات قلبٍ انكسر في أول اختبار.
هذا الشعور هو أقسى ما يمر به المرء بعد مواسم القرب..
ذلك الخجل الذي يكاد يُفطر القلب حين تشعر أن العهد الذي قطعته كان أمنية هشة لم تصمد أمام الفتن!
هنا ينسلُّ إليك الشيطان بخطابه الأخبث: “لقد تلطخت الصحيفة، وتلوث الثوب الأبيض في أول الطريق أو تمزق، فلا طائل من محاولة الترقيع”.
لكن يا صديقي.. الحقيقة التي تغيب عنك في غمرة هذا الخجل، هي أن الله الذي خلقك يعلم تماماً من أنت وما أنت..
يعلم هشاشة طينك، وضعف مقاومتك، وجاذبية الأرض التي تشدك بقوة.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
وهو سبحانه لم يشترط عليك عصمة الملائكة ليقبلك.
لم يطلب منك أن تكون مخلوقا نورانيا، وإنما أراد منك “عبودية الأوّابين”..
أولئك الذين كلما أسقطتهم بشريتهم، عادوا يطرقون بابه بانكسار المحبين.
وإن الباب لم يُغلق، ومفاتيح العودة لم تزال في يدك.
مفاتيح توبة تجبُّ ما قبلها..
تمحو الخطيئة كأن لم تكن، وتعيد ترتيب فوضى روحك برحمةٍ تتجاوز كل تصوراتك القاصرة.
﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾..
هذا ليس مجرد نصٍّ نقرؤه..
هو النداء السماوي الذي يطرق مسامعك حين تسرف ليعيدك إلى حضن العبودية الآمن، وينزع عنك رداء الخزي الذي يريد الشيطان أن يلبسك إياه.
فلا تمنح عدوك نصرين في معركة واحدة؛ يكفيه أنه أوقعك في الذنب، فلا تسمح له أن يخنقك بحبل الإحباط و القنوط .
اجمع شتات قلبك، وتوضأ بماء الندم، واسجد سجدةً طويلة تفرغ فيها كل هذا الوجع، وكل هذا الخجل.
عد إليه الآن، ولا تنتظر فجر العيد لتكون صالحاً.. فالطريق ممهدٌ بدمعةٍ صادقة، والرحمة أوسع من كل شيء
و ذنوبك مهما عظمت هي مجرد… شيء.

كلمات مفتاحية:

اترك تعليقا