هدية نتنياهو إلى إيران: كيف ربحت إسرائيل الانفجار وخسرت المعادلة

د ناظم نصار يكتب

كانت الحسابات الإسرائيلية-الأمريكية بعد حرب إيران جميلة في بساطتها؛ وهذا عادةً أول مؤشر على أن الكارثة جرى تغليفها باحتراف. اضرب إيران، أرعب حلفاءها، أدّب الخليج، أبهر الصين، اعزل روسيا، وأعد نتنياهو إلى المسرح بوصفه مهندس الشرق الأوسط الجديد العظيم. خطة أنيقة جداً، بشرط واحد فقط: أن يوافق العالم على التصرف كأنه مُلَّخَص في عرض محاضرة باوربوينت.

لكنه لم يفعل.

كانت زيارة ترامب إلى الصين يفترض أن تنتزع شيئاً مهماً في الملف الإيراني. بدلاً من ذلك، قدّمت بكين طقوسها المعتادة: مصافحات، كاميرات، ابتسامات دبلوماسية، وفنّاً صينياً عريقاً في قول القليل جداً مع تغيير لا شيء تقريباً. الصين لم تتصرف كمدير مساعد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. استمعت، أومأت، ثم واصلت كونها الصين: استراتيجية، صبورة، ومصابة بحساسية مزمنة من التجنيد.

ثم جاء الاستقبال الأكثر دفئاً للروس. وفجأة، بدت موسكو “المعزولة” أقل عزلة بكثير مما وعدتنا به الكتيّبات. دخل بوتين إلى بكين لا كيتيم دبلوماسي، بل كشريك في حوار عالمي أوسع. لم تكن الرسالة بحاجة إلى صراخ؛ فالقوى الجادة نادراً ما تحتاج إلى الصراخ. كانت الرسالة في المشهد نفسه: تستطيع أمريكا أن تزور الصين، أما روسيا فتبدو كأنها تنتمي إلى الطاولة.

بالنسبة إلى نتنياهو، كانت هذه أول تصدعات الصخره التي يعتليها. فقد بيعت حرب إيران بوصفها لحظة تحويلية: ضربة تُضعف إيران، وتُرعب حزب الله، وتطمئن الخليج، وتثبت أن القوة الإسرائيلية ما زالت قادرة على إعادة كتابة المنطقة. لكن النص واجه مشكلة صغيرة: الممثلون رفضوا قراءة أدوارهم.

ثم ظهر الكارت الذي ربما لم تكن إيران نفسها تعرف وزنه الكامل قبل أن يرفعه نتنياهو عالياً أمام العالم. مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري في نشرات الأخبار، بل ظهر كزرّ الطوارئ للاقتصاد العالمي. فجأة، اكتشفت واشنطن أن إغلاق هذا المضيق، أو حتى التلويح الجدي بإغلاقه، لا يعني “مشكلة إيرانية” ولا “قلقاً إسرائيلياً” فقط؛ بل يعني أزمة طاقة عالمية: نفط، غاز، شحن، تضخم، أسواق، انتخابات، وكل الجهاز العصبي للاقتصاد الدولي يبدأ بالارتجاف.

هنا تصبح السخرية أكثر فخامة. الولايات المتحدة، التي كثيراً ما تعاملت مع الأمم المتحدة كقطعة ديكور عندما لا تناسبها، وجدت نفسها فجأة تبحث عن شرعية دولية. وعندما لم تعد الأمم المتحدة كافية، اتجهت إلى الصين؛ الخصم الذي تريد احتواءه، فإذا بها تحتاجه كـ“بالغ عاقل” في غرفة مليئة بالجنرالات والمغامرين. يا لها من عبقرية استراتيجية: يذهب نتنياهو إلى الحرب لإضعاف إيران، فيقدم لها على طبق من فضة أقوى ورقة تفاوضية تمتلكها أمام العالم.

ثم دخل حزب الله إلى المشهد بسلاح لا بد أنه جارح جداً للغرور العسكري: طائرات مسيّرة رخيصة، موجّهة بتقنية الألياف الضوئية، يصعب التشويش عليها، يصعب اعتراضها، ومصممة تماماً لإحراج الأنظمة الباهظة الثمن. قضت إسرائيل عقوداً وهي تعرض نفسها كمختبر للعبقرية العسكرية: سايبر، مراقبة، ذكاء اصطناعي، قبة حديدية، شعاع حديدي، حرب دقيقة، ومتحف كامل من التفوق التكنولوجي. ثم يأتي حزب الله بطائرات يقودها خيط رفيع، ويحوّل ساحة المعركة إلى محاضرة ساخرة في الهندسة.

وهذا ليس مجرد إزعاج تكتيكي. قد يكون أحد الانتصارات الإيرانية الهادئة. يبدو أن الأمريكيين والإسرائيليين تخيلوا إيران كلوحة مفاتيح مركزية: اقصف ما يكفي من البنية التحتية، فتنطفئ الأضواء في كل المنطقة. لكن نفوذ إيران ليس لوحة مفاتيح. إنه دائرة موزعة. تقطع سلكاً، فيظهر تيار آخر في لبنان، أو اليمن، أو العراق، أو سوريا، أو البحر الأحمر. ذهبت واشنطن إلى الحرب ضد خريطة. أما إيران وحلفاؤها فكانوا يعملون كشبكة.

فما الذي هُزم تحديداً؟ مستودع صواريخ؟ منصة إطلاق؟ منشأة عسكرية؟ ربما. لكن ليس الفكرة. ليس المنهج. وليس المنطق التكيّفي للحرب غير المتكافئة. على العكس، يوحي ما بعد الحرب بأن شبكة إيران استوعبت الدرس بسرعة: عندما تُقصف الأنظمة الكبيرة، تصبح الأنظمة الصغيرة أذكى. وعندما تهيمن الحرب الإلكترونية، تعود القيادة الفيزيائية عبر كابل ألياف ضوئية أنحف من الغرور الذي يهزمه.

ثم أضاف الإحراج الخليجي طبقة أخرى إلى الفشل. فمحاولة نتنياهو، المعلنة أو المسرّبة، إظهار أو تضخيم العلاقة الخفية بين إسرائيل وبعض العواصم الخليجية لم تقوّ اتفاقات أبراهام؛ بل أحرجت الدول نفسها التي تريدها إسرائيل شركاء صامتين. حكام الخليج يفهمون الجغرافيا أكثر مما يفهم نتنياهو المسرح. يعرفون أن أمريكا تستطيع أن تطير عائدة إلى بيتها، وأن إسرائيل تستطيع أن تختبئ خلف دفاعاتها الجوية، لكن الخليج سيبقى يعيش بجوار إيران. نتنياهو أراد تصفيقاً. الخليج أراد قابلية للإنكار. فقدم لهم عدوى علاقات عامة.

ثم جاء بن غفير ليكمل اللوحة. تعامله مع ناشطي أسطول غزة لم يخلق مشكلة صورة فقط؛ بل كشف الصورة التي كانت تحت الصورة. تطلب إسرائيل من العالم أن يراها ديمقراطية متطورة تحت التهديد. أما بن غفير فيظهر كأنه رجل أرسلته الذاكرة التاريخية لتخريب الكتيّب الدعائي. حوّل حادثة الأسطول القوة الإسرائيلية إلى مسرح للإذلال، ومشكلة المسرح أن الناس يشاهدون.

هذه هي الآن الصورة الإسرائيلية المركبة أمام العالم: نتنياهو يحرج الخليج؛ بن غفير يحرج إسرائيل؛ حزب الله يحرج التكنولوجيا الإسرائيلية؛ الصين ترفض لعبة ترامب؛ روسيا تدخل بكين كضيف يملك دعوة دائمة؛ وإيران، التي قيل إنها أُضعفت إلى حد الانهيار، تكتشف أن مضيقاً بحرياً واحداً قد يساوي في السياسة أكثر من ألف خطاب عن التفوق العسكري.

السؤال الأعمق لم يعد: هل تستطيع إسرائيل تدمير أهداف؟ بالطبع تستطيع. السؤال هو: هل ما زال التدمير ينتج استراتيجية؟ وهنا تصبح الإجابة محرجة أكثر فأكثر.

لقد ربحت إسرائيل وأمريكا الانفجار، لكنهما خسرتا المعادلة. ظنتا أن القوة النارية هي هندسة سياسية، وأن صمت الخليج موافقة، وأن مجاملة الصين امتثال، وأن إلحاق الضرر بإيران يعني هزيمتها، وأن قلق نتنياهو يمكن أن يتحول إلى استراتيجية إقليمية.

لذلك يكشف ما بعد حرب إيران عن كوميديا إمبراطورية مذهلة: دخل أكثر اللاعبين تسليحاً إلى المسرح مقتنعين بأنهم يخرجون التاريخ، ليكتشفوا أن التاريخ لم يقرأ نصهم أصلاً. كان يُعاد كتابته في مكان آخر: في بكين، وفي قصور الخليج، وفي مضيق هرمز، وفي سماء جنوب لبنان، وعبر كابل ألياف ضوئية رفيع يقود طائرة رخيصة نحو الوهم الباهظ للمناعة المطلقة.

اترك تعليقا