الإسلام في أميركا بين الانتشار وتراجع الالتزام الديني

دراسات حديثة ترصد تراجع الالتزام الديني لدى بعض الشباب المسلمين في الغرب

رغم استمرار انتشار الإسلام في الولايات المتحدة وكندا وأجزاء من أميركا الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر الهجرة أو اعتناق الإسلام، بدأت مراكز أبحاث غربية ترصد في المقابل تزايد ظاهرة الابتعاد عن الالتزام الديني التقليدي لدى بعض المسلمين الجدد وأبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين، في ظل تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة داخل المجتمعات الغربية.

وأظهر تقرير حديث صادر عن مركز بيو للأبحاث في 26 مارس 2025 أن الإسلام ما يزال من أكثر الأديان جذبا للمعتنقين الجدد في الولايات المتحدة، رغم تسجيل نسب ملحوظة ممن يتركون الانتماء الديني لاحقا أو يتحولون إلى اللادينية.

ووفقا للتقرير، فإن نحو ثلاثة أرباع الأميركيين الذين نشأوا داخل أسر مسلمة ما زالوا يعرفون أنفسهم كمسلمين عند البلوغ، بينما يتحول آخرون إلى ديانات مختلفة أو إلى فئة “غير المنتمين دينيا”. كما أظهرت البيانات أن نحو 20% من المسلمين الحاليين في الولايات المتحدة دخلوا الإسلام بعد نشأتهم في ديانات أخرى أو دون خلفية دينية، وهي من أعلى نسب الدخول إلى الإسلام بين الدول التي شملتها الدراسة.

وأشار التقرير إلى أن ظاهرة “التحول الديني” أصبحت جزءا من تغيرات أوسع تشهدها المجتمعات الغربية، حيث تتراجع العلاقة التقليدية بالمؤسسات الدينية لصالح التدين الفردي أو الروحانية غير المرتبطة بالمؤسسات.

وفي تعليقها على هذه التحولات، قالت الباحثة المتخصصة في التعددية الدينية بجامعة هارفارد، ديانا إيك، إن الإسلام في أميركا الشمالية يعيش “مرحلة توسع وإعادة تشكل في الوقت نفسه”، موضحة أن كثيرا من المعتنقين الجدد ينجذبون إلى الوضوح العقائدي والبعد الروحي والانضباط الأخلاقي الذي يقدمه الإسلام، لكن بعضهم يواجه لاحقا تحديات تتعلق بالاندماج الاجتماعي والهوية الثقافية.

وفي كندا، أظهرت أبحاث أكاديمية صادرة عن جامعتي تورنتو وماكغيل خلال 2024 و2025 أن نسبة من أبناء المهاجرين المسلمين باتت تميل إلى تعريف هويتها بشكل ثقافي أكثر من الالتزام الديني الكامل، خاصة في المدن الكبرى مثل تورنتو ومونتريال وفانكوفر.

وقالت الباحثة الكندية إنغريد ماتسون، الرئيسة السابقة للجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية، إن بعض الشباب المسلم في كندا يعيش “توتر الهوية المزدوجة”، نتيجة محاولة التوفيق بين القيم الأسرية المحافظة والثقافة الليبرالية السائدة في المجتمع الكندي.

وأضافت أن ابتعاد بعض الشباب عن المؤسسات الدينية لا يرتبط دائما برفض الإسلام، بل أحيانا بعدم شعورهم بأن الخطاب الديني التقليدي يعالج قضاياهم المعاصرة المرتبطة بالهوية والعلاقات الاجتماعية والتحولات الثقافية.

وفي الولايات المتحدة، أشارت تقارير صادرة عن معهد السياسات الاجتماعية والتفاهم خلال 2025 و2026 إلى ارتفاع نسبة المسلمين الذين يصفون أنفسهم بأنهم “روحانيون لكن غير ملتزمين دينيا”، مع تراجع الارتباط بالمؤسسات الدينية لدى بعض أبناء الجيل الثالث مقارنة بالمهاجرين الأوائل.

من جهته، قال الباحث والداعية الأميركي عمر سليمان إن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت “حالة تشكيك مستمرة” لدى بعض الشباب المسلمين في أميركا الشمالية، بسبب التعرض اليومي لمحتوى فرداني أو إلحادي، لكنه أكد في الوقت نفسه وجود “عودة دينية معاكسة” لدى فئات أخرى تبحث عن الاستقرار النفسي والانضباط الأخلاقي.

وخلال 2026، اتجهت مؤسسات بحثية أميركية إلى التركيز بشكل أكبر على أوضاع الشباب المسلم والصحة النفسية والهوية الدينية، في ظل تصاعد النقاشات المتعلقة بالاندماج الثقافي وتأثير المحتوى الرقمي على التدين داخل المجتمعات الغربية.

وفي أميركا الجنوبية، تبدو الظاهرة أقل حدة بسبب محدودية أعداد المسلمين مقارنة بأميركا الشمالية وأوروبا. وتشير دراسات اجتماعية حديثة إلى أن الإسلام يواصل تحقيق نمو بطيء لكنه مستقر في دول مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي، خاصة بين بعض المتحولين من خلفيات مسيحية.

وذكر الباحث البرازيلي باولو بينتو أن بعض المسلمين الجدد في البرازيل ينجذبون إلى الإسلام بحثا عن الانضباط الأسري والسكينة الروحية، لكن بعضهم يواجه لاحقا ضغوطا اجتماعية وصورا نمطية مرتبطة بالإسلاموفوبيا، ما يؤدي أحيانا إلى تراجع الالتزام الديني.

كما أظهرت أبحاث صادرة عن جامعة بوينس آيرس خلال 2025 تراجع مستوى الالتزام الديني بين بعض أبناء العائلات المسلمة ذات الأصول السورية واللبنانية في الأرجنتين، مع استمرار ارتباطهم بالهوية الثقافية والعائلية أكثر من المؤسسات الدينية.

ورغم هذه التحولات، تؤكد أحدث الدراسات الغربية أن الإسلام ما يزال من أسرع الأديان نموا على مستوى العالم، مدفوعا بعوامل ديموغرافية وارتفاع معدلات اعتناق الإسلام واستمرار تمسك قطاعات واسعة من المسلمين بهويتهم الدينية. كما تشير الأبحاث إلى أن الإسلام يحتفظ بجاذبية قوية لدى الباحثين عن المعنى والاستقرار النفسي والانتماء الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي تشهد ارتفاع معدلات العزلة الفردية والتراجع الديني التقليدي.