الطبقة الوسطى والدور الوظيفي

محمد عادل زكي

مَن ينظر إلى التكوُّن التَّاريخيّ للطَّبقة الوسطى في عالمنا العربيّ المنكوب، لن يبذل كبيرَ عناءٍ كي يدرك تكوُّنها كطبقةٍ وظيفيَّة، جرى تصنيعها مؤسسيًّا من قِبَل الدَّولة الوطنيَّة النَّاشئة، بغرض ملء الفراغ الإداريّ والمعرفيّ الَّذي خلَّفه المستعمِر؛ باعتبارها طبقةً مُدبِّرة، وناقلة، ومُنظِّمة، ضمن جهاز الدَّولة، لما ليس من إنتاجها، ولا من صلب تركيبها التَّاريخيّ. وعليه، لم تكن الطَّبقة الوسطى العربيَّة قادرة، في أيِّ لحظةٍ حاسمة، على ممارسة وظيفةٍ نقديَّة تجاه البنية الاجتماعيَّة، ولا قادرة على حمل مشروع تغييرٍ جذريّ يتجاوز حدود الاندماج أو التكيُّف؛ إذ إنَّها، في عُمق تكوينها، ارتبطت بالسُّلطة لا بالمجتمع، وارتبطت بالدَّولة لا بالعمل الخالق للقيمة، وارتبطت بالأيديولوجيا لا بالفعل التَّاريخيّ نفسه. وهذا يعني أنَّ الطابع المُشتقّ لهذه الطبقة، من حيث تكوينها وموقعها ووظيفتها، جعلها دائمًا عرضةً للاهتزاز، مع كلِّ تحوُّلٍ في البنية السياسيَّة أو الاقتصاديَّة، دون أن تمتلك جسمًا نظريًّا مستقلًّا يؤهِّلها للتماسك أو المقاومة. ولقد تأثَّرت، بالتَّالي، الطَّبقة المثقَّفة العربيَّة، الَّتي تُعتبر، في ظاهرها، جزءًا من الطبقة الوسطى، بالرُّوح الغربيَّة؛ روحٍ قادمةٍ من خارج تاريخها، حملت معها قيم العقلانيَّة، والعِلم، والتقدُّم، لكنَّها، في جوهرها، لم تخرج من إطار الإحساس بالغربة التاريخيَّة والبحث عن الهويَّة؛ فبدلًا من أن تكون قوَّة نقدٍ ذاتيّ تسعى لإنتاج معرفةٍ مُلهمة تأخذ بيد المجتمع نحو تغييرٍ جذريّ، كانت، في الغالب، محكومةً بميكانيزمات استيراد الفكر، واستعارة المفاهيم، ونقل التَّجارب، ما جعلها طبقةً متذبذبة، لا تقوى على بناء مشروعٍ ثقافيّ عربيّ مُتماسك، مع ميلٍ واضحٍ إلى تقليد النماذج الغربيَّة أو رفضها بشكلٍ راديكاليّ. ولقد ظُنَّ، لفترةٍ ليست بالقصيرة، أنَّ اتِّساع الطَّبقة الوسطى، وتناميها الكمِّيّ، سيفضي إلى تحديث البنية الاجْتماعيَّة، وإلى تدعيم قيم العقلانيَّة، والعِلم، والانفتاح؛ غير أنَّ الواقع التَّاريخيّ العربيّ أثبت، بمرور الوقت، أنَّ هذه الطَّبقة، بما هي عليه من تشظٍّ داخليّ، وتناقضاتٍ في الانتماء والوعي، قد تحوَّلت، بالتَّالي، إلى أداةٍ لإعادة إنتاج التسلُّط، وإعادة تدوير الامتيازات؛ حتَّى في لحظات الانفجار الثوريّ الظاهريّ. لقد فشلت الطَّبقة الوسطى في أن تحفظ لنفسها موقعًا وسيطًا، فتقهقرت، في أكثر من بلد، نحو الهامش الاجتماعيّ، أو انزلقت، تحت وطأة العولمة النيوليبراليَّة، إلى قاع الطَّبقات الدُّنيا، فاقدةً بذلك أيَّ إمكانيَّةٍ للقيام بدورٍ تاريخيّ مستقلّ. ولذا، إذا أردنا أن نُعيد التفكير في الطَّبقة الوسطى، لا كصورةٍ نمطيَّة أو كحاملٍ أيديولوجيّ جاهز، فعلينا أن ننطلق من تحليل بنيتها الدَّاخليَّة، وتشظِّي مصالحها، وتناقض وعيها، لنفهم كيف ولماذا تحوَّلت إلى كتلةٍ بشريَّة دون مشروع، وإلى كيانٍ هشّ، يتماهى تارةً مع السُّلطة، وتارةً مع السُّوق، دون أن يكون لأيٍّ من التماهيَيْن أيُّ أساسٍ معرفيّ قادرٍ على خلق الشروط الموضوعيَّة للنَّهضة.

اترك تعليقا