“سلوك الحشد”

د محمد علي يوسف

لو أنك تسير في شارع مزدحم، ثم فوجئت بعدد من الناس يتوقفون ويرفعون رؤوسهم نحو السماء بترقب واضح… قل لي بربك..هل ستقاوم الرغبة في النظر معهم؟
غالباً لن تفعل.. سترفع بصرك تلقائيا.. ليس لأنك فضولي.. حشاك.
سترفع رأسك لأنك تريد اكتشاف ما الذي جذب انتباه الجميع.
فما يدريك لعل خطرا ينبغي أن تحذره أو خيرا من الأولى ألا يفوتك..
وربما يحدث الأمر دون أن تسأل نفسك حتى: ولماذا أفعل ما يفعلونه أصلًا؟
الأغرب أن كثيراً ممن يقفون محدقين في الأعلى قد لا يعرفون هم أنفسهم إلى ماذا ينظرون بالتحديد.
لكن شيئاً خفياً داخل العقل البشري يدفعه دائماً إلى مراقبة اتجاه الحشود، والانسياق معها ولو مؤقتاً.
هذه الظاهرة التي تبدو بسيطة وعابرة، لها جذور عميقة في علم النفس وعلم الأعصاب، وتُعرف بما يسمى “العدوى الاجتماعية والانفعالية” (Social & Emotional Contagion).
في مفهوم هذه الظاهرة، يكفي أن يبدأ عدد كافٍ من الناس بالتصرف بطريقة معينة، حتى ينجرف الباقون خلفهم بصورة شبه تلقائية، أحياناً دون فهم دقيق للسبب.
البعض يفسر ذلك الفعل بما يُعرف بـ”الخلايا العصبية المرآتية” (Mirror Neurons) وهي شبكة عصبية مذهلة تجعل الإنسان يعيد تمثيل ما يراه أمامه بصورة لا شعورية تقريباً.
حين ترى شخصاً يتثاءب، تشعر أنت أيضاً برغبة مفاجئة في التثاؤب.
وحين تشاهد أحدهم يضحك بصدق، تتحرك عضلات وجهك تلقائياً.
وحين ترى الحشود مذعورة أو متحمسة أو منفعلة، يبدأ جسدك في التقاط الحالة الشعورية نفسها قبل أن ينتهي العقل من تحليل الموقف.
من حضروا مباريات الكرة في المدرجات الصاخبة يدركون ما أقول جيدا..
وكأن الإنسان مهيأ بيولوجياً ليُصاب بعدوى المشاعر والسلوك.
هذه المحاكاة التلقائية يعززها كذلك ما يسميه علماء النفس “الامتثال الاجتماعي” (Social Conformity).
الإنسان عبر تاريخه الطويل لم يكن كائناً منعزلاً
هو مخلوق يعتمد بقاؤه على الانتماء للمجموعة التي هو من بينها.
الخروج عن القطيع كان يعني دائما الجوع أو الافتراس أو الموت، ولهذا تطور داخل العقل ميل غريزي لافتراض القرب من المجموع الذي يملك قدراً من الأمان أو الصواب.
من هنا يظهر ما يسمى “سلوك الحشد” (Herd Behavior)، حيث يبدأ الإنسان تدريجياً في تسليم جزء من حكمه الشخصي للمحيط من حوله..
ليس لأنه اقتنع تماماً ولكن لأن العقل البدائي يهمس له في الخلفية: “كل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا مخطئين.”
المشكلة أن هذا الاندفاع الجماعي ليس دليلاً دائماً على الحقيقة أو النجاة.
أحياناً يكون العكس تماماً.
يكفي أن تتأمل تاريخ البشر قليلاً لتكتشف أن الجموع كثيراً ما ركضت بحماس نحو الهاوية وهي تظن أنها تتحرك نحو الخلاص.
حروب كبرى اشتعلت لأن الجماهير صرخت معاً، وفقاعات اقتصادية ابتلعت مدخرات الملايين لأن الجميع كان يشتري، وأفكار شديدة السطحية تحولت إلى “حقائق مقدسة” فقط لأن عددًا كافيًا من الناس رددها بثقة عالية.
العقل الجمعي يملك قدرة مخيفة على منح الإنسان شعوراً مريحاً بالإعفاء من مسؤولية التفكير؛ فحين يذوب الفرد داخل الحشد، تخف وطأة الأسئلة الثقيلة ويصبح الخطأ الجماعي أقل إيلاماً نفسياً من الصواب المنفرد.
لهذا لم يكن القرآن يربط الحقيقة بالكثرة أبداً، بل كان يكرر بصيغ مختلفة أن أكثر الناس لا يعلمون، ولا يعقلون، ولا يشكرون.

مع ذلك… تبقى هناك لحظات نادرة يكون فيها تيار الجموع نعمة حقيقية تدفع القلب نحو الخير بدلا من أن تبتلعه.

وهذه تحديداً هي إحدى أعظم الهدايا التي تمنحها مواسم الخير… أو هكذا يفترض!

ربما لهذا تبدو الحياة مختلفة تماماً في رمضان.
قبل أن يبدأ الشهر بأسابيع، تهب رائحته في القلوب مبكراً.
الفوانيس تظهر، والإعلانات تتبدل، والمساجد تمتلئ تدريجيا والناس تتحدث عن الختمات والتراويح والسحور والدعاء وكأن المدينة كلها دخلت حالة إيمانية جماعية .
جزء من هذا الشوق إيماني خالص بلا شك، وجزء آخر تصنعه الذاكرة والحنين والطفولة..
لكن هناك العامل النفسي لا يمكن تجاهله…
“التيار العام”.
الجميع تقريباً يتحرك في الاتجاه نفسه.
الصيام جماعي والإفطار جماعي…
أغلب الناس صائمون..
والتراويح جماعية..
حتى المقصر يشعر أن البيئة كلها تسحبه نحو الطاعة دون مقاومة ضخمة من داخله.
رمضان يخلق ما يشبه الموجة الإيمانية الكاسحة.
أنت لا تسبح وحدك ضد التيار، بل تجد التيار نفسه يدفعك للأمام.

ثم تأتي عشر ذي الحجة…
تلك التي تهل علينا إن شاء الله بعد يومين أو ثلاثة..
ستهل علينا الأيام التي وصفها النبي ﷺ بأنها أفضل أيام الدنيا.
رغم ذلك، لا تكاد تشعر أن شيئاً يتحرك أو يتغير..
لا كلام..
لا استعدادات واسعة.
ولا ذلك الإحساس الجماعي الجارف الذي يسبق رمضان.
قليل من الناس يتعامل مع هذه الأيام بالتقدير الذي تستحقه.
البعض يربطها بالصيام فقط.
والبعض يظن أنها موسم خاص بالحجاج وحدهم.
والبعض الآخر — وربما الجُل — لا يعرف عنها شيئاً تقريباً.
تخيل أن أياماً قال عنها رسول الله ﷺ: “أفضل أيام الدنيا” تمر على هذا القدر من البرود!
بل إن فريقاً من أهل العلم ذهب إلى أفضلية أيام العشر على أيام رمضان نفسها، استناداً إلى هذا الإطلاق النبوي العام.

لهذا أجدني أطرح السؤال نفسه كل عام: لماذا يختلف إقبالنا على الطاعة في رمضان عن إقبالنا في عشر ذي الحجة رغم هذه الفضائل الهائلة؟

حين أحاول أن أكون صريحاً مع نفسي بعيداً عن المثالية، أجد أن حالي أنا شخصياً في رمضان أفضل كثيراً من حالي في العشر.
هنا تبدأ محاولة فهم الأسباب.
أول الفوارق الواضحة التي يطرحها البعض هو ما يتعلق بالشياطين.
في رمضان يوجد استثناء معلوم يضعف نشاطهم، سواء قيل بتصفيد الشياطين كلها أو مردتها فقط، فالنتيجة أن العدو المثبط يفقد جزءاً من حضوره المعتاد.
أما في العشر، فلا يوجد دليل على هذا الاستثناء.
المعركة تسير بطاقتها الكاملة المعتادة، وهذا وحده كافٍ ليجعل الطاعة أثقل على النفس.

لكن السبب الأهم في رأيي هو “إدراك القيمة”.
فضائل رمضان من فرط شهرتها تكاد تتحول إلى جزء من الوعي العام

أما العشر، فأجيال كاملة تتفاجأ حين تسمع فضلها لأول مرة.
حتى من يعرف شيئاً عنها، يظن غالباً أن فضلها مقتصر على الصيام أو على من رزقهم الله الحج.
أما كونها أياماً يكون فيها “العمل الصالح أحب إلى الله مما سواها” بإطلاق واسع يشمل كل أبواب الخير… فهذه معلومة غائبة عن كثيرين.

ثم يأتي العامل النفسي والاجتماعي الذي بدأت به..
العشر ليست “تريند”.
طبعا لا أقصد المعنى السطحي الدارج للكلمة
أقصد معناها الحقيقي
التيار الجمعي الذي يتحرك فيه الناس معاً.
رمضان يحقق هذا المعنى بامتياز.
الناس كلها تقريباً تحتفي به.
مواعيد الحياة نفسها يعاد ترتيبها حوله.
أما عشر ذي الحجة، فعباداتها في أغلبها فردية وخفية:
ذكر… استغفار… صيام تطوع… صدقات… توبة… تلاوة.

لا توجد تراويح تملأ تلاوتها الندية الشوارع.
لا زخم سمعي ولا بصري يشعر الإنسان أنه داخل موسم استثنائي.
فريضة الحج نفسها ذات طابع خاص، لا يقوم بها سنوياً إلا قلة مستطيعة.
ولهذا يصبح غياب التشجيع الجماعي هنا اختباراً حقيقياً.
كأن رمضان موسم يسحبك فيه التيار نحو الطاعة، بينما العشر تسألك سؤالاً مختلفاً: هل ستتحرك إلى الله حتى إذا اختفت الجموع من حولك؟
هل ستذكر الله إذا لم يفعل الجميع ذلك أمامك؟
هل ستسير إلى الله وحدك قليلاً؟

ربما لهذا بالذات ينبغي ألا نستسلم لهذا الفراغ، ولا نقبل أن تمر هذه الأيام صامتة في وعينا الجمعي بهذا الشكل البارد.
إن كانت النفس البشرية تتحرك أحياناً بالعدوى الصالحة كما تتحرك بالعدوى الفاسدة، فما المانع أن نصنع نحن هذه الحالة؟
ما المانع أن تصبح العشر حديث البيوت، ورسائل الأصدقاء، ومنشورات الصفحات، وأصوات التكبير في الطرقات والسيارات والأسواق حتى تستعيد مكانتها التي خفتت عبر القرون؟
لماذا نترك مواسم الدنيا تملك كل هذا الضجيج، بينما تمر مواسم الآخرة وكأنها أخبار جانبية لا تخص أحداً؟

أحسب أن هذا بالضبط هو السر في فعل عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما حين كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، فيكبر الناس بتكبيرهما.

تأمل المشهد جيداً.
هما لم يكتفيا بالذكر لأنفسهما
لقد حاولا صناعة “تيار عام” يوقظ القلوب الغافلة رسالته… أيها الناس… هذه أيام مختلفة.
هذه أيام ذكر.
استيقظوا.
لكن حتى إن لم يتحرك الخلق وحتى إن بقيت العشر بلا ضجيج، وبلا فوانيس، وبلا زخم جماعي يشبه رمضان… فلا تجعل هذا سبباً في الزهد فيها أو الفتور عنها.

القيمة الحقيقية للأشياء لا تُقاس دائماً بحجم الاحتفاء البشري بها.
كم من حقائق عظيمة مرت هادئة لا يلتفت إليها أحد، وكم من أشياء تافهة ملأت الدنيا صراخاً وضجيجاً حتى ظنها الناس محور الكون.
لهذا كان في العشر معنى خاص للإخلاص.
فالذي يتحرك فيها بالطاعة كثيراً ما يتحرك بدافع داخلي أهدأ وأصدق، لا بمجرد عدوى جماعية أو حماس موسمي.
ولهذا بالذات… قد تكون أثمن.
فلا تنتظر أن يركض الجميع حتى تركض معهم.
ولا تنتظر أن يتحول الموسم إلى “تريند” كي تشعر بقيمته.
ربما كانت إحدى أعظم عبادات العشر…
أن تتحرك إلى الله بينما العالم من حولك مشغول بشيء آخر تماماً

#أغلى_أيام

اترك تعليقا