هل تتحول ضغوط ترامب على إيران إلى مغامرة خطيرة؟

في مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والإعلامي

يشهد الملف الإيراني مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والإعلامي مع عودة الرئيس الأمريكي ترامب إلى سياسة الضغط الحاد تجاه طهران، في وقت تتزايد فيه تعقيدات المشهد الإقليمي وتتشابك فيه المصالح الدولية من الخليج إلى شرق آسيا. فالتصريحات الأخيرة التي أطلقها ترامب، والتي أكد فيها أنه “لن يصبر كثيرًا” على إيران، لم تكن مجرد رسالة إعلامية عابرة، بل حملت مؤشرات واضحة على أن واشنطن تستعد لإعادة تفعيل سياسة “الضغط الأقصى” بصيغة أكثر صرامة من السنوات السابقة.

لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه اليوم: إلى متى يستطيع ترامب الاستمرار في الرهان على الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية لإخضاع إيران؟ وهل ما تزال هذه الاستراتيجية قادرة على تحقيق أهدافها، أم أن الظروف الدولية تغيّرت بصورة تجعل نتائجها أكثر تعقيدًا وأقل فاعلية؟

عودة سياسة الضغط الأقصى

منذ ولايته الأولى، اعتمد ترامب على سياسة تقوم على خنق الاقتصاد الإيراني عبر العقوبات، وعزل طهران دبلوماسيًا، ومنعها من الاستفادة من صادرات النفط والتعاملات البنكية الدولية. وقد انسحب حينها من الاتفاق النووي الموقّع عام 2015، معتبرًا أنه اتفاق “ضعيف” لا يحدّ من النفوذ الإيراني الإقليمي ولا يوقف برنامج الصواريخ الباليستية.

واليوم، يبدو أن ترامب يعود إلى النهج ذاته، لكن في بيئة دولية أكثر تعقيدًا. فالعالم لم يعد كما كان قبل سنوات؛ إذ تعاني الولايات المتحدة من منافسة استراتيجية متصاعدة مع الصين، واستنزاف سياسي وعسكري نتيجة الأزمات الدولية المتعددة، إضافة إلى تغيرات

كبيرة في موازين الطاقة العالمية.

في المقابل، تمكنت إيران خلال السنوات الماضية من التكيّف نسبيًا مع العقوبات، ونجحت في بناء شبكات اقتصادية وتجارية بديلة، خاصة عبر التعاون مع China وRussia، فضلًا عن تعزيز نفوذها الإقليمي في عدة ساحات.

هل تغيّرت حسابات إيران؟

تتعامل طهران مع التصعيد الأمريكي الحالي بوصفه جزءًا من معركة إرادات طويلة الأمد. فالقيادة الإيرانية تدرك أن واشنطن تسعى إلى إجبارها على تقديم تنازلات واسعة تتعلق بالبرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، والقدرات العسكرية.
لكن إيران في الوقت نفسه تراهن على عامل الوقت، وعلى قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود النسبي رغم العقوبات. كما تعتمد على شبكة تحالفات إقليمية ودولية تمنحها هامشًا للمناورة، خصوصًا مع تنامي التوتر بين الولايات المتحدة وكل من الصين وروسيا.
وتعتبر طهران أن أي تراجع كبير أمام الضغوط الأمريكية قد يُنظر إليه داخليًا وإقليميًا على أنه هزيمة سياسية، وهو ما يجعلها أكثر تمسكًا بمواقفها التفاوضية، خاصة في ما يتعلق بحق تخصيب اليورانيوم.

الورقة النووية ومعادلة الردع

أحد أبرز عناصر التصعيد الحالي يتمثل في الملف النووي الإيراني. فواشنطن تطالب بنقل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج وفرض قيود صارمة على أنشطة التخصيب، بينما تؤكد إيران أن برنامجها النووي سلمي وأنها تملك الحق في تطوير التكنولوجيا النووية وفق القوانين الدولية.

لكن اللافت في المرحلة الحالية هو ارتفاع مستوى الخطاب الإيراني بشأن القدرة على رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من الاستخدام العسكري إذا تعرضت البلاد لهجوم جديد. وهذا الخطاب يحمل رسائل ردع واضحة، ويهدف إلى إقناع واشنطن بأن أي مواجهة عسكرية قد تفتح الباب أمام تحولات خطيرة في المنطقة.

في المقابل، يدرك ترامب أن امتلاك إيران لقدرات نووية متقدمة—even دون إنتاج سلاح فعلي—سيُنظر إليه في الداخل الأمريكي والإسرائيلي باعتباره فشلًا استراتيجيًا كبيرًا. لذلك يحاول ممارسة أقصى درجات الضغط لمنع طهران من الوصول إلى هذه المرحلة.

إسرائيل والعامل الإقليمي

لا يمكن فصل التصعيد الأمريكي تجاه إيران عن الحسابات الإسرائيلية. فإسرائيل ترى أن أي اتفاق جديد لا يتضمن تفكيك البنية النووية الإيرانية بشكل كامل سيكون تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

وقد مارست الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضغوطًا كبيرة على واشنطن من أجل تبني موقف أكثر تشددًا تجاه طهران. ويبدو أن ترامب يسعى أيضًا إلى طمأنة الحلفاء الإقليميين بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بتعزيز نفوذها أو تطوير قدراتها النووية دون قيود.
لكن المشكلة تكمن في أن أي تصعيد عسكري واسع قد يؤدي إلى انفجار إقليمي يشمل الخليج والعراق ولبنان وسوريا، وهو سيناريو تدرك واشنطن خطورته في ظل الأوضاع الدولية الحالية.
الاقتصاد والطاقة.. معركة النفوذ الخفية
إلى جانب البعد العسكري والسياسي، هناك جانب اقتصادي بالغ الأهمية في الصراع بين واشنطن وطهران. فالولايات المتحدة تحاول تقليص صادرات النفط الإيرانية والحد من قدرة طهران على الاستفادة من الأسواق الآسيوية، خاصة السوق الصينية.
وفي المقابل، تعمل إيران على تعميق شراكاتها الاقتصادية مع بكين وموسكو، مستفيدة من حاجة الصين المستمرة إلى الطاقة. كما تحاول طهران استخدام موقعها الجغرافي وقدراتها الإقليمية كورقة ضغط في معادلات الملاحة والطاقة العالمية.
ويبدو أن إدارة ترامب تراهن على أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة قد تدفع الداخل الإيراني إلى ممارسة ضغوط على القيادة السياسية، لكن التجارب السابقة أظهرت أن العقوبات، رغم تأثيرها القاسي، لم تنجح في تغيير السياسات الإيرانية بصورة جذرية.

حدود القوة الأمريكية

رغم التصعيد السياسي، تواجه واشنطن تحديات كبيرة تمنعها من الذهاب نحو مواجهة شاملة. فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي حرب جديدة في الشرق الأوسط ستكون مكلفة اقتصاديًا وعسكريًا، خاصة في ظل التوترات العالمية الأخرى.

كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد متحمسًا للتورط في حروب طويلة ومفتوحة، وهو ما يضع قيودًا على الخيارات العسكرية المتاحة أمام ترامب. إضافة إلى ذلك، فإن حلفاء واشنطن الأوروبيين يفضّلون الحلول الدبلوماسية ويخشون من تداعيات أي مواجهة واسعة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.

هل تنجح سياسة الضغط؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن إيران مستعدة لتقديم تنازلات استراتيجية كبرى تحت الضغط. وفي المقابل، لا تبدو واشنطن قادرة على فرض شروطها بالكامل دون الدخول في مواجهة مكلفة.

لذلك قد تستمر المرحلة المقبلة في إطار “حافة الهاوية”، حيث يستخدم كل طرف أدوات الضغط والردع دون الوصول إلى حرب شاملة أو اتفاق نهائي. فترامب يريد إظهار الحزم والقوة، بينما تسعى إيران إلى إثبات قدرتها على الصمود والمواجهة.

وفي النهاية، يبدو أن الرهان الأمريكي على إخضاع إيران عبر الضغوط وحدها يواجه حدودًا واقعية تفرضها التحولات الدولية وتوازنات المنطقة. فالصراع لم يعد مجرد خلاف حول برنامج نووي، بل أصبح جزءًا من معركة أوسع على النفوذ والهيمنة وإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

اترك تعليقا