سياسة الجنون وحافة الهاوية لترامب مع إيران
فشل متكرر وتآكل للنفوذ الأمريكي
- dr-naga
- 7 مايو، 2026
- تقارير
- إيران, التداعيات الإقليمية والدولية, التهديدات, الخبراء, السياسيين, المصداقية, ترامب, ترامب مع إيران, حافة الهاوية, سياسة الجنون, سياسة ترامب
في لحظة تاريخية تعيد فيها الولايات المتحدة تعريف دورها في النظام الدولي، تبرز سياسة الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع إيران كنموذج صارخ لفشل ما يُعرف بـدبلوماسية حافة الهاوية، حيث تتحول التهديدات الصاخبة إلى عبء استراتيجي يثقل كاهل المصالح الأمريكية ويقوض مصداقية واشنطن أمام حلفائها وخصومها على حد سواء.
مفهوم حافة الهاوية بين النظرية والتطبيق
تستند سياسة ترامب إلى نسخة مشوهة من نظرية الرجل المجنون التي طورتها مدرسة الردع خلال الحرب الباردة، والتي تفترض أن التهديدات غير المتوقعة والمفرطة في القسوة يمكن أن تردع الخصوم أو تجبرهم على التنازل. لكن كما يوضح بنجامين غيلتنر، المحلل في معهد كاتو، فإن تطبيق ترامب لهذه النظرية يعاني من خلل جوهري: فالتهديدات المتكررة والمبالغ فيها تؤدي إلى تآكل المصداقية بدلاً من تعزيزها .
ويقول غيلتنر في تحليله المنشور في ديفينس نيوز: “كلما زادت التهديدات غرابة وتكراراً، كلما تراجعت مصداقية الرجل المجنون، وهذا ما نراه بوضوح في تعامل ترامب مع إيران” .
فشل التهديدات في تحقيق أهدافها
منذ استئناف ترامب للضغوط على طهران، تتالت التهديدات التي تراوحت بين الوعد بتدمير الحضارة الإيرانية وفرض مواعيد نهائية صارمة لفتح مضيق هرمز. لكن النتائج على الأرض كانت مخيبة للآمال. فبحسب تقرير نشرته مودرن دبلوماسي، فإن المضيق الذي يمثل شريان حياة لـ 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية لا يزال عرضة للتقييد الإيراني، رغم كل الضجيج الأمريكي .
ويضيف التقرير: “إذا دفع ترامب أكثر، ترتفع التكاليف بسرعة. وإذا تراجع، يصبح الفشل واضحاً. هذه ليست براعة في سياسة حافة الهاوية، بل نتيجة لرئيس ينسى الحقائق العملية التي لا يمكن إخضاعها بالتهديدات”.
أزمة المصداقية الأمريكية
لا يقتصر الضرر على الفشل التكتيكي في التعامل مع إيران، بل يمتد ليشكل أزمة مصداقية للولايات المتحدة ككل. فبحسب نيكولاس غروسمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إلينوي، فإن سلوك ترامب أقنع العالم بأنه لا يمكن الوثوق بكلمة الرئيس الأمريكي، وبالتالي تآكلت مصداقية أمريكا كدولة .
ويشرح غروسمان: “حتى لو كانت إيران منفتحة على تقديم تنازلات، فلا يمكنها التأكد من أي منها سيرضي ترامب، خاصة بعد تراجعه عن الاتفاق النووي عام 2018 رغم التزام طهران به” .
هذا الرأي يؤكده تحليل لمعهد الشرق الأوسط الذي منح سياسة ترامب تجاه إيران درجة راسب، مشيراً إلى أن الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو 2025 أسفرت عن نتائج غير حاسمة، وأن نهج الإدارة عانى من انحراف استراتيجي في النصف الثاني من العام .
ردود فعل السياسيين والخبراء
على المستوى السياسي، عبر عدد من المشرعين الأمريكيين عن قلقهم من تداعيات نهج ترامب. ففي تصريح نقلته إيران إنترناشيونال، انتقدت النائبة الديمقراطية البارزة تقييم إدارة ترامب للمفاوضات مع طهران، معتبرة أنه “ليس قريباً من الواقع” .
من جهته، يحذر مايكل روبين، الباحث في المعهد الأمريكي للمشروعات، من أن “مواعيد ترامب النهائية غالباً ما تُرسم بالقلم الرصاص”، في إشارة إلى قابليتها للتغيير والتراجع في أي لحظة .
ويذهب تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن فشل الدبلوماسية الإكراهية لا يعود بالضرورة إلى طبيعة الإنذارات نفسها، بل إلى عوامل السياق والمصداقية والتوقيت والتوازن في القوى .
التداعيات الإقليمية والدولية
لا تقتصر تداعيات فشل سياسة ترامب على العلاقة الثنائية مع إيران، بل تمتد لتشمل النظام الدولي بأكمله. فبحسب دراسة نشرها مركز بيو للأبحاث في مارس 2026، يعتقد نصف البالغين الأمريكيين الآن أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تأخذ في الاعتبار مصالح الدول الأخرى .
وعلى المستوى الأوروبي، أدى نهج ترامب إلى تآكل الثقة في التزام الولايات المتحدة بحلف الناتو. فتهديدات ترامب المتكررة بالانسحاب من الحلف، والمطالبات الإقليمية غير المبررة مثل المطالبة بغرينلاند من الدنمارك، خلقت شكوكاً عميقة حول موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية .
التحديات الهيكلية أمام الدبلوماسية الأمريكية
يواجه نهج ترامب تحديات هيكلية تتجاوز الشخصنة. أولاً، هناك فجوة متزايدة بين القدرات العسكرية الأمريكية وطموحات السياسة الخارجية. فبحسب تحليل ديفينس نيوز، أطلقت الولايات المتحدة نحو 850 صاروخ توماهوك ضد إيران خلال شهر واحد فقط، في حين أن مخزونها الكلي لا يتجاوز 3100 صاروخ ومعدل الإنتاج السنوي لا يتعدى 90 صاروخاً .
ثانياً، هناك تمييز نظري مهم بين الردع والإكراه. فالردع يهدف لمنع الخصم من اتخاذ إجراء، بينما الإكراه يهدف لإجباره على التخلي عن وضع قائم. وكما يوضح غيلتنر، فإن الإكراه أصعب تحقيقاً لأنه يتطلب من الخصم التخلي عن الوضع الراهن، وهو ما تميل النفس البشرية لمقاومته .
ثالثاً، هناك عامل التعب الشعبي. فتهديد ترامب بتدمير إيران أثار ردود فعل سلبية واسعة في الرأي العام الأمريكي، بما في ذلك بين قاعدته الانتخابية، مما يضعف القدرة السياسية على تنفيذ التهديدات .
نظرة مستقبلية: دروس من التجربة الإيرانية
تشير التجربة الإيرانية إلى أن سياسة حافة الهاوية، عندما تُستخدم بشكل مفرط وغير مدعوم باستراتيجية واضحة، يمكن أن تنتج عكس الأهداف المرجوة. فبدلاً من إرغام إيران على التنازل، عززت هذه السياسة من تماسك النخبة الحاكمة في طهران وزادت من تصميمها على الصمود.
وفي هذا السياق، يدعو خبراء في معهد كارنيغي للشرق الأوسط إلى إعادة تقييم جذرية لنهج الولايات المتحدة في المنطقة، مع التركيز على بناء تحالفات إقليمية مستدامة بدلاً من الاعتماد على التهديدات الأحادية .
كما يؤكد تقرير لمركز الخليج للأبحاث أن النجاح في التعامل مع ملفات مثل إيران يتطلب موازنة دقيقة بين الضغط والدبلوماسية، وبين المبادئ والمصالح، وبين القوة والمرونة .
نحو دبلوماسية أكثر حكمة
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، تظل الدبلوماسية الفعالة هي الأداة الأضمن لحماية المصالح الوطنية. فبينما قد تولد التهديدات الصاخبة عناوين إخبارية، فإنها نادراً ما تحقق نتائج استراتيجية دائمة.
وتشير الدروس المستفادة من تجربة ترامب مع إيران إلى أن النجاح في السياسة الخارجية يتطلب أكثر من مجرد قوة عسكرية أو بلاغة خطابية. فهو يتطلب فهماً عميقاً لسياقات الخصم، وقدرة على بناء تحالفات حقيقية، واستعداداً للحوار عندما تفتح النوافذ الدبلوماسية.
وكما خلص تحليل لمؤسسة كارنيغي: “المصداقية، بمجرد فقدانها، يصعب استعادتها. والولايات المتحدة اليوم تواجه تحدياً وجودياً في إعادة بناء ثقة العالم بكلمتها وتعهداتها” .
المصادر والمراجع:
– معهد كاتو، تحليل بنجامين غيلتنر حول دبلوماسية الرجل المجنون، أبريل 2026 [[44]]
– مودرن دبلوماسي، تقرير “ترامب نسي المضيق والآن تدفع أمريكا الثمن”، مارس 2026 [[25]]
– إم إس ناو، مقال نيكولاس غروسمان حول أزمة المصداقية الأمريكية، أبريل 2026 [[31]]
– معهد الشرق الأوسط، تقرير تقييم سياسة ترامب في الشرق الأوسط، فبراير 2026 [[16]]
– إيران إنترناشيونال، تصريحات المشرعين الأمريكيين حول المفاوضات مع طهران، أبريل 2026 [[27]]
– مركز بيو للأبحاث، استطلاع الرأي حول السياسة الخارجية الأمريكية، مارس 2026 [[35]]
– مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، دراسة حول مفارقة الإنذار النهائي، أبريل 2026 [[42]]