كيف نفهم الصراع في أزواد ومالي ؟

أبعاد تاريخية لارتباط الطوارق والعرب بالأرض

“لقد تركنا كيدال ولم يعُد لنا وجود هناك. المدينة الآن في قبضة الجهاديين وجبهة تحرير أزواد”.. بتلك الكلمات أخطر مسؤول حكومي في مالي وكالات الأنباء بالتطورات على الأرض، حيث نشبت في أواخر أبريل/نيسان معارك متزامنة في عدة مدن مالية، أبرزها مدينة كيدال الشمالية ومدينة غاو على ضفاف نهر النيجر، وكاتي قرب العاصمة باماكو؛ بين الجيش المالي من جهة و(جبهة تحرير أزواد) و(جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) من جهة أخرى.

أسفر الهجوم المُنسَّق عن سيطرة المُسلَّحين على مدينة كيدال، التي لم يكن قد مرَّ وقت طويل على تموضع الجيش المالي فيها، بعد أن عادت إلى قبضته إثر دعم مُكثَّف من روسيا ومجموعة فاغنر في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. وقد أدى الهجوم إلى اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، حيث استهدفته سيارة مُفخَّخة في مقر إقامته في القاعدة العسكرية الرئيسية في البلاد بمدينة كاتي.

وأعلنت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) تنديدها بالهجمات الأخيرة، فضلا صدور إدانات مماثلة عن الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة.

لم تدُم سيطرة باماكو طويلا إذن في كيدال، ويبدو أن تلك السيطرة التي تجاوزت العامين بأشهر قليلة عاشت مصاعب كثيرة في ظل الكر والفر بين الجيش المدعوم بمقاتلين روس من جهة، والجماعات المسلحة وقبائل الطوارق من جهة أخرى، حتى عادت المدينة مرة أخرى إلى قبضة هذه الفصائل التي تُشكِّل العمود الفقري لجبهة تحرير أزواد، والتي كانت قد سيطرت على المدينة لمدة عقد كامل حتى 2023.

بيد أن هجوم كيدال ليس الأول من نوعه، وإن كان الأكبر حجما في السنوات الأخيرة. فقد قُتِل أكثر من 80 عنصرا من مجموعة “فاغنر” الروسية مع عشرات من قوات المجلس العسكري المالي في كمين أقصى الشمال قرب الحدود الجزائرية في يوليو/تموز 2024، فيما عُدَّ لحظة فارقة في مسار الصراع المسلح الذي يقوده الطوارق بغية تأسيس دولتهم المستقلة أو على الأقل الحصول على الحكم الذاتي في إقليم (أزواد) الواقع في شمال مالي.

كان “الإطار الإستراتيجي الدائم للدفاع عن شعب أزواد”، والمشهور باختصار (CSP-DPA) هو الممثل السياسي الأهم لهذه الطموحات، قبل أن يتم حله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لتنضم مختلف الحركات المنضوية تحت لوائه مثل “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” و”المجلس الأعلى لوحدة أزواد” وفصائل أخرى، تحت مظلة “جبهة تحرير أزواد”. وجاء ميلاد الجبهة ردا على انسحاب باماكو من اتفاق الجزائر للسلام (2015)، السقف الوحيد الذي قبلت تحته قوى الطوارق وضع السلاح، بهدف “تنسيق العمل العسكري والسياسي” في مواجهة الدولة المالية.

كان لهجوم 2024 صدى كبيرا بسبب ضلوع أوكرانيا في العملية، والتي تتهمها روسيا بتقديم أسلحة متخصصة وتدريبات عسكرية ومعلومات استخبارية حول تحرُّكات العناصر الروس وتكتيكاتها للمسلحين، وهو ما أقر به محمد المولود رمضان، وممثلون آخرون عن قوات أزواد، إذ أشاروا إلى وجود علاقات وتنسيق عالٍ مع أوكرانيا. وقد لعبت تلك الحادثة، التي اشتهرت باسم معركة “تين زاواتين”، دورا كبيرا ومباشرا في تسليط الضوء على قضية أزواد، وأعادت طرح “سؤال السيادة” داخل الإقليم المضطرب، لكونها الأسوأ من حيث الخسائر في صفوف عناصر فاغنر في مالي منذ انتشارها هناك، بل وفي أفريقيا ككل.

ترى جبهة أزواد والجماعات المنضوية تحت لوائها في انتشار القوات المالية والعناصر الروسية في مناطق كيدال وغاو وتمبكتو وغيرها من مناطق إقليم أزواد، تهديدا مباشرا لمشروعها للحكم الذاتي بعد أن فرضت نفسها على الأرض مع انسحاب قوات وبعثات الأمم المتحدة وتراجع النفوذ الفرنسي عسكريا في السنوات الأخيرة. وتقول إن عملياتها رد فعل على “ممارسات” قوات المجلس العسكري المالي بحق سكان وقبائل شمال مالي.

تسعى هذه الجماعات إلى إعادة صياغة العلاقة مع السلطة المركزية عبر الحكم الذاتي أو تقرير المصير، مستندة إلى جغرافيا صحراوية واسعة ومناطق جبلية حدودية يصعب السيطرة عليها عسكريا، ومستفيدة من الفراغ الأمني. وتكمن أهمية تلك المناطق في أنها محاذية للحدود الجزائرية وقريبة من حدود ليبيا والنيجر بما يجعلها محطة مهمة للتجارة والتهريب، بجانب أنها مناطق غنية بالذهب، ما يجعل العملية بمثابة رسالة سياسية مزدوجة إلى كل من روسيا والمجلس العسكري، وتأكيد على أنها الفاعل المتحكم في الأرض ميدانيا.

الأهم في معركتي كيدال، ومن قبلها تين زاواتين، أن كلا منهما أتت في سياق إقليمي متقلب. فتلك المساحة الكبيرة من الصحاري شمال مالي أخذت تتحوَّل طيلة عقود ما بعد الاستعمار الفرنسي من منطقة هامشية منسية إلى جغرافيا تتنافس عليها العديد من الدول. وبجانب الحضور التقليدي القوي للجزائر الذي تفرضه الجغرافيا، تأتي العديد من القوى المتنافسة، وفي مقدمتها روسيا وفرنسا، بجانب المجلس العسكري المالي وتحالفه مع الأنظمة العسكرية الجديدة في النيجر وبوركينا فاسو، وكذلك الجماعات “الجهادية” سواء جماعة نصرة الإسلام أو تنظيم الدولة الإسلامية.

من هم الطوارق؟

“لا حدود هنا إلا ما رسمته أقدام الإبل”.. ليست تلك جملة عابرة بقدر ما هي خلاصة وعي جغرافي تشكَّل عبر قرون في وجدان قبائل الطوارق، التي صاغت وشكَّلت الصحراء الكبرى هويتها. فالطوارق من أكثر التكوينات السكانية انتشارا في الصحراء، إذ يتواجدون في مساحات شاسعة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، ما يجعلهم عابرين للحدود السياسية التي خطَّتها القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وتُعد ليبيا والجزائر ومالي والنيجر وبوركينا فاسو أهم الحواضن الجغرافية لقبائل الطوارق، مع جماعات صغيرة في نيجيريا وجنوب تونس وأجزاء من غرب السودان وغرب مصر وشرق موريتانيا. يعد هذا الانتشار الواسع امتدادا لمسارات القوافل الموسمية وحركتها بين المراعي والواحات، وهو ما وضعهم لاحقا في مواجهة حدود صلبة لا تعترف بسيولة المجال الصحراوي ولا بمنطق التنقُّل الذي يحكمه.

ويتمركز الطوارق ضمن حزام جغرافي واسع يبدأ من جنوب غرب ليبيا، حيث واحات غدامس وأوباري ومرتفعات فزَّان، مرورا بجبال الهُقَّار وتمنراست في جنوب الجزائر، وصولا إلى سلسلة أدرار إيفوغاس الجبلية، وتِمْبُكْتو في شمال مالي، ثم آيير وأغاديس في النيجر، وحتى تخوم بحيرة تشاد شرقا. ولا يُختزَل هذا الامتداد في جغرافيا مترامية فحسب، بل يُشكِّل بنية حيوية متكاملة تتداخل فيها الجبال والسهول والواحات.

ومن هنا، لم تكن الدول الحديثة بعد الاستعمار قادرة على فرض أنماط عيش وإدارة تنسجم مع طبيعة مجتمعات الطوارق، خاصة في ظل استمرار الحركة الموسمية ومسارات التجارة والتهريب العابرة للحدود. فالصحراء بالنسبة للطوارق ليست هامشا جغرافيا، ولكنها مركز للوجود، ومجال مفتوح يتقدَّم فيه الانتماء القبلي على الانتماء الوطني، وتتشكل فيه التحالفات وفق منطق الماء والمرعى والتجارة.

وينقسم الطوارق إلى تكتلات رئيسية ترتبط بأقاليم جغرافية متقاربة ومتداخلة، أبرزها طاسيلي، والهُقَّار، وآيير، وأزواد. تتواجد مجموعة طاسيلي ناجر بين غات الليبية وجانِت الجزائرية حيث الجغرافيا الجبلية التاريخية، فيما يتمركز طوارق الهُقَّار في جنوب الجزائر، وتحديدا في تمنراست وسلسلة جبال الهقار التي تمثل معقلهم التقليدي. أما إقليم آيير في النيجر، ومركزه أغاديس، فيُعد هو الآخر معقلا للطوارق في تلك المنطقة، بينما يشير مصطلح أزواد إلى الصحاري الواسعة شمال مالي. وعند وضع المناطق الأربع معا نجد حزاما كبيرا يمتد من أعالي نهر السنغال غربا إلى بحيرة تشاد شرقا، ومن جنوب المغرب العربي إلى تخوم وسط أفريقيا.

على مدار فترة استعمارها للمنطقة، تعاملت فرنسا بازدراء مع تلك المجتمعات، إلا أنها فشلت في اختراقها أو تحويلها. وقد حافظ الطوارق على هويتهم من خلال منظومة اجتماعية واقتصادية وثقافية قوية، بينما تشكلت السلطة داخل كل إقليم عبر تنافس داخلي وتحالفات عشائرية تتغيَّر حسب الدور الوظيفي الذي تقوم به العشيرة داخل القبيلة، سواء التجارة والترحال أو الرعي والزراعة أو القتال وإدارة العلاقات مع القبائل الأخرى.

كما يمتلك عدد من قبائل الطوارق نظما داخلية من الضمان الاجتماعي والتعليم المستقل “المغلق” في وجه أي تدخلات خارجية، وهو ما أغضب فرنسا وجعلها تستهدف المشايخ والمحاضن التعليمية لهم، لا سيَّما الكتاتيب التي كانت تعلم القرآن واللغة العربية وعلوم الشريعة، حيث كانت تنظر إليها على أنها عقبة في طريق فرض سيطرتها على المجتمعات.

جبال الهُقَّار.. قلاع الطوارق التي كسرت أنف فرنسا

في أثناء حقبة الاحتلال الفرنسي، كانت تحرُّكات قبائل الطوارق في الصحراء الكبرى مصدر أرق وتهديد كبير لفرنسا عسكريا واقتصاديا، بسبب الدور الذي قامت به القبائل في استنزاف قواتها العسكرية، ما دفع فرنسا لإرسال عدد من المستكشفين إلى مناطق الطوارق في الصحاري الواسعة، ليكونوا “رأس حربة” لمشروعها الاستعماري في الإقليم.

وبالفعل أرسلت فرنسا كلا من هنري دوفيرييه وشارل دو فوكو إلى مناطق الطوارق بهدف رسم خرائط دقيقة للمسالك الصحراوية، وجمع المعلومات الاستخبارية والميدانية، وعمل استطلاع جغرافي وأنثروبولوجي لاختراق مجتمعاتهم، وتحديد مراكز القوة داخل القبلية. وكانت رحلات “الاستكشاف” كما وُصِفَت آنذاك وظيفة استخبارية صريحة، خاصة عندما قدّم دو فوكو معلومات ميدانية استُخدِمَت في التخطيط العسكري الفرنسي في منطقة الهقّار، مستغلا الثقة التي اكتسبها داخل أوساط مجتمعات الطوارق، فتحولت المعرفة إلى أداة سيطرة لتأمين الطرق الصحراوية والمجالات الحيوية في المنطقة تمهيدا لإخضاع سكانها عسكريا وإداريا.

ومما لا شك فيه أن تلك الرحلات أخذت طابع الاختراق الناعم الذي سبق الهيمنة الصلبة، حيث سعت فرنسا إلى فتح وتأمين طرق التجارة نحو بلاد السودان الغربي (تشاد اليوم)، لكن فشلها في إدامة احتلالها الخشن، ما دفعها لإبرام اتفاقيات مثل اتفاقية غدامس (1862) مع سلطنة “الآزجر” التي ضمنت حماية القوافل الفرنسية مقابل ضرائب مالية، في خطوة وصفها الفرنسيون بأنها فتحت المجال لإدماج الصحارى داخل شبكتهم الاستعمارية. وقد تطلّبت الاتفاقات الاقتصادية والتوسّع العسكري تأمينا من داخل مجتمعات الطوارق، ولذلك عكف دو فوكو على تعلّم لغة الطوارق، خاصة اللهجة التماشقية، وألّف معجما كبيرا لها.

كانت مخططات فرنسا تهدف لربط طرق التجارة من شمال أفريقيا إلى عمقها في غرب وشرق القارة، والتي كان يُنظَر إليها على أنها تمثل اقتصادا واعدا ومجالا حيويا للتوسع الاقتصادي، والأهم منافسة بريطانيا وتجارتها التي كانت تنشط هناك بفعل وجودها في مصر والسودان وشرق أفريقيا، ما جعل السيطرة على طرق التجارة أحد ملفات الصراع والتنافس الدولي على الموارد والأسواق. وقد سعت فرنسا أيضا إلى ربط منطقة الصحارى بسلطتها في الجزائر، حيث اقترح دو فوكو فكرة إنشاء سكة حديد عابرة للصحراء لربط المستعمرات الفرنسية في غرب وشمال أفريقيا بعضها ببعض، وأطلق على المشروع اسم “التمدين”، وهي فكرة كانت لتنعش الأسواق وحركة التجارة نظريا، لكن جوهرها كان السيطرة الاقتصادية والعسكرية.

لم يكن الطوارق عصيّين على التحوّل والخضوع للاستعمار الفرنسي فقط، بل استطاعوا أن يفرضوا على فرنسا دفع ضرائب نظير عدم التعدي على قوافلها التي كانت تمر في مناطقهم. وقد وظّف الطوارق جبال الهقّار قاعدة رئيسية تنطلق منها عملياتهم المسلحة ضد فرنسا، التي تحوّلت إلى شكل من أشكال المقاومة التي استنزفت باريس وتحدت رغبتها في التوغّل العسكري على مدار عقود، ما جعلها منطقة عصية على أي شكل من أشكال النفوذ الأجنبي بحكم تضاريسها الوعرة وتركيبتها القبلية المتماسكة.

بلغ تمرد الطوارق على الاحتلال الفرنسي ذروته بين عامي 1916-1917، حيث أقدم أحد شباب الطوارق على قتل دو فوكو في جنوب الجزائر في مدينة تمنراست في ديسمبر/كانون الأول 1916، بالتزامن مع ثورة واسعة عُرفت باسم ثورة الهقّار، وهي نقطة تحوّل مهمة في تاريخ النضال ضد الاحتلال. وقد جاءت الثورة كذروة لحالة الغليان ضد التوغل الفرنسي، في مرحلة كانت فرنسا قد بدأت تفقد قدرتها على تأمين الطرق الصحراوية وضبط مسارات قوافلها.

أظهرت الثورة أن إخضاع مناطق الطوارق ومجالهم الحيوي لم يكن مهمة سهلة، ولكنه أقرب إلى صراع مفتوح بين دولة استعمارية حديثة وقوة محلية مُتمرِّسة في حروب الصحراء. والأهم أن الثورة لم تكن مجرد حدث مفاجئ، بل جاءت في سياق تراكم عمليات الكر والفر التي خاضها الطوارق دفاعا عن مناطقهم، مستفيدين من معرفتهم الدقيقة بالمسارات الصحراوية.

رحيل الاستعمار يحيي آمال الطوارق

أنشأ الحضور التقليدي للطوارق في جبال الهُقَّار جنوب الجزائر علاقة وطيدة بينهم وبين قيادات ثورة التحرير الجزائرية على قاعدة العمل المشترك ضد الاحتلال الفرنسي، ما جعل مختلف المكونات المجتمعية في جغرافية الجزائر الكبيرة تنصهر داخل هوية وطنية جامعة، وهو العنصر الذي افتقدته معظم دول الساحل الأفريقي في تعاملها مع الطوارق بسبب تبنيها النموذج الفرنسي “الأمني” في حل الأزمات في معظم فترات تاريخها.

لم يكن عجيبا إذن أن ألهمت الثورة الجزائرية “انتفاضات” في دول الساحل، كان أولها في شمال مالي بين عامي 1962-1964، لكنها قُمعت بعنف من قبل السلطة المركزية في باماكو، ما رسَّخ شعورا تاريخيا بالظلم داخل مجتمعات الطوارق، وقد تجدَّدت هذه التحركات في التسعينيات لكنها لم تُكلَّل بالنجاح. ولاحقا، عمل معمر القذافي بعد قدومه إلى السلطة في ليبيا عام 1969 على بناء علاقات قوية ومتينة مع الطوارق، فجنَّد آلاف الفارين من مالي والنيجر بعد قمعهم، والذين أصبحوا أحد الركائز التي اعتمد عليها في بنية الجيش الليبي، بل وحتى الوحدات الأمنية الخاصة بعد منحهم امتيازات الإقامة والجنسية.

حاول القذافي تحويل الطوارق إلى ورقة سياسية رابحة مع دول الجوار، ولَعب دور الوسيط في اتفاقات السلام مع حكومات دول الساحل الأفريقي ضمن لعبة كبرى للتوازنات السياسية في دول الصحراء الكبرى. بدورها، سعت الجزائر لتوظيف نفوذها في هذه القضية، والذي تشكل من مزيج من الحتمية الجغرافية والعلاقات التاريخية، حيث هندست العديد من اتفاقيات السلام بين أزواد وسلطة مالي، منها اتفاقية تَمَنراسِّت عام 1991، واتفاق “المعاهدة الوطنية” عام 1992، الذي استمر العمل1 به حتى عام 2012، ولاحقا اتفاق الجزائر لعام 2015.

ولكن مع سقوط نظام القذافي عام 2011 تغيرت الأمور بسرعة. عاد آلاف الطوارق الذين خدموا في وحدات الجيش الليبي والأجهزة الأمنية إلى مالي والنيجر حاملين أسلحة ثقيلة وخبرات قتالية اكتسبوها طيلة سنوات خدمتهم، ما ساهم في رفع القدرات العسكرية للحركات الأزَوادية بصورة غير مسبوقة، ومن ثمَّ بدأت حالة “تمرُّد” واسعة في منطقة الصحراء الكُبرى منذ عام 2012 حتى يومنا هذا.

ساهم انهيار الجيش الليبي في خروج مخازن السلاح عن السيطرة أيضا، ما أدى لتدفق واسع للأسلحة عبر الصحراء الكبرى، تحوَّلت معه الحدود إلى ممر مفتوح للجماعات المسلحة وشبكات التهريب. كانت تلك التغيرات كفيلة بإشعال فتيل “انتفاضة” أزواد الأهم في يناير/كانون الثاني 2012 بعد عدة أشهر من سقوط القذافي، ليتبعها الانقلاب العسكري في باماكو في مارس/آذار 2012، والذي خلق فوضى سياسية منحت فرصة تاريخية لتثبيت سلطة أمر واقع في شمال مالي عبر إعلان “استقلال” أحادي الجانب لإقليم أزواد بعد نحو شهر من الانقلاب، تحديدا في أبريل/ نيسان من العام نفسه.

الانسحاب الفرنسي

أثرت الثورة الليبية وانهيار نظام القذافي على التوازنات الإقليمية التي كانت تضبط علاقة الطوارق بدول الساحل، ومن ثمَّ ظهرت فراغات سياسية وأمنية استغلتها الحركات المُهمَّشة والتنظيمات “الجهادية” على حد سواء، ما أدى إلى تداخل مسارات الصراع بين “مطالب الاستقلال والحكم الذاتي” الأزوادية ونشاط تلك التنظيمات المتصاعد في الساحل. دفعت تلك الأحداث فرنسا إلى التدخل العسكري عبر عملية “سِرفال” عام 2013 لوقف تقدم التنظيمات الإسلامية تجاه العاصمة باماكو. وهكذا تحوَّل شمال مالي من أزمة محلية إلى عقدة في صراع إقليمي ودولي تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى وشبكات الأمن والطاقة والهجرة.

لم يكن تراجع نفوذ فرنسا في منطقة الساحل الأفريقي منذ ذلك الحين حدثا مفاجئا بعد ازدياد الغضب الشعبي تجاه الانخراط العسكري الفرنسي، والذي أثمر سقوطا سريعا الأنظمة السياسية الموالية لفرنسا، لتصعد بدلا منها مع مطلع العقد الحالي نظم عسكرية جديدة مناوئة لباريس دون أن تُراجِع بالضرورة النهج المركزي و”العنيف” في أحيان كثيرة تجاه الطوارق. ولذا لم تتحسن أوضاع الطوارق مع صعود روسيا إلى موقع الحليف الرئيسي لدول بوركينا فاسو ومالي والنيجر، الذين أعلنوا عن تحالف “كونفدرالي” لتنسيق الجهود، ووقفوا على النقيض من مجموعة “الإيكواس”، التكتل الرئيسي في غرب أفريقيا.

بعد حرب أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، وانخراط أوروبا في الصراع مع روسيا، اضطرت باريس إلى أخذ خطوة للخلف بإعلان انسحابها من عدد من الدول، في توجه جديد لسياساتها في عموم القارة الأفريقية، حيث انسحبت، بشكل أو بآخر، من مالي وتشاد وساحل العاج والسنغال والنيجر بعد عقود من الوجود العسكري، معلنة بذلك تخليها عن حماية الأنظمة الحليفة التي أسستها واستثمرت فيها الكثير، ما جعل بعض تلك الدول يلغي معاهدات أمنية وعسكرية مع فرنسا، بل وحتى مع أمريكا، التي انسحبت في مايو/أيار 2024 من تشاد، بعد أن طلبت نجامينا إنهاء الحضور العسكري الأمريكي.

رغم حرص فرنسا على تقديم تحركها بوصفه إعادة تموضع إستراتيجي، فإن ما حفزه تحركها حقيقة هو موجة غضب كبيرة في دول الساحل واتجاه شعبي عام رافض للحضور والنفوذ الفرنسي. وبالتوازي مع ذلك تحاول روسيا ودول أخرى ملء الفراغ عبر إبرام اتفاقات شراكة مع النظم العسكرية الجديدة أو توسيع حضور شركاتها الأمنية. ولعل الدرس الأهم الذي يمكن الخروج به من إخفاق فرنسا في تلك المنطقة هو فشل سياساتها ومقاربتها العسكرية والأمنية في حل المشكلات والأزمات التي صنعتها منذ بداية استعمارها للمنطقة، وهو نهج ورثته النظم العسكرية في باماكو ونيامي وواغادوغو.

تسببت تلك السياسات في خلق حالة تمرد مجتمعي مستعصية استفادت منها التنظيمات “الجهادية” الصاعدة منذ عام 2012، بالتوازي مع طفرة تدفق الطوارق المسلحين بعد الثورة الليبية في الوقت نفسه، ما تسبب في اضطراب الموازين الاجتماعية والعسكرية في بعض أكثر دول أفريقيا هشاشة. وبقدر ما تحاول تلك الدول الآن الابتعاد عن التحالفات القديمة والارتباطات الفرنسية، تلبية للمطالب الشعبية الغاضبة من باريس فإن الاتجاه نحو روسيا لم يغير الكثير في سلوك الأنظمة العسكرية الجديدة، ومن ثم لم يحل معضلة أزواد، والطوارق بشكل عام، حتى يومنا هذا.

تغيير.. دون تغيير

في امتداد لهذا النهج “العسكري”، أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي في يناير/ كانون الثاني 2024 إنهاء “اتفاق السلام والمصالحة” الموقع عام 2015 في الجزائر مع الحركات “الانفصالية” الأزوادية بأثر فوري، وهو آخر الاتفاقات السياسية السارية بين الطرفين. جاء هذا القرار نتيجة لتوترات دبلوماسية بين مالي والجزائر بلغت مرحلة قطيعة شبه كاملة بعد حادث إسقاط مُسيَّرة اخترقت الأجواء الجزائرية في أبريل/نيسان 2025 تبعه إغلاق الجزائر مجالها الجوي أمام الطائرات القادمة من مالي والمتجهة إليها، وهو أنهى عمليا مسار الوساطة الجزائرية.

ومع انسداد المسار السياسي أصبح السلاح لغة الحديث الوحيدة القائمة. وقد مهدت هذه الأجواء لنشوء “تحالف مصالح” بين مُسلَّحي أزواد والحركات “الجهادية” التابعة لتنظيم القاعدة على أساس الخصومة المشتركة للحكومة المالية، رغم أن الطرفين طالما انخرطا في علاقة شد وجذب نتيجة الصراع على الأرض والهوية. ففي بداية “انتفاضة” أزواد عام 2012، تقاطع تقدُّم الحركة الوطنية لتحرير أزواد مع نشاطات تلك الجماعات التي سرعان ما انقلبت على الحركة الأزوادية وطردتها من تِمبُكتو وغاو، فارضة رؤيتها “الأيديولوجية” الخاصة حول “تطبيق الشريعة” وهو ما حفز التدخل العسكري الفرنسي.

تؤكد هذه الخلفية “المضطربة” أن التنسيق الحالي بين الطرفين أقرب إلى “توافق ظرفي” حفزته الخصومة المشتركة للنظم العسكرية في المنطقة وعلاقاتها مع موسكو، وليس “تحالفا حقيقيا”. وهو لا يلغي التنافر الواضح بين المنطلقات “القبلية – العرقية” للحركات الأزوادية والمنطلقات “الأيديولوجية” للحركات “الجهادية”. ولعل تلك بالتحديد واحدة من نقاط ضعف حركة أزواد، إذ يستثمر فيها خصومها أحيانا باعتبارها “مصدر فوضى”، لا بوصفها حركة سياسية ذات مشروع واضح.

اليوم، وبينما يُشكِّل الطوارق أغلبية سكان إقليم أزواد، فإن مستقلبهم السياسي لا يزال متأرجحا وغامضا ولا تكاد التغيرات العسكرية الأخيرة على الأرض تغير شيئا من هذه الحقيقة. لقد سبق أن استفاد الطوارق من التحولات في البيئة السياسية لأجل فرض سيطرة عسكرية دامت لفترات طويلة أحيانا لكن هذه السيطرة ظلت في إطار “التمرد” ولم تترجم في أي وقت إلى واقع سياسي جديد.

وفي المقابل، لا يبدو أن الأنظمة في منطقة الساحل قد تعلمت الدرس حين اعتنقت التحالف مع روسيا بديلا لفرنسا، مع الإبقاء على نفس السياسات القديمة دون تحول يذكر. وهو ما يقدح في دعاوى هذه الأنظمة “التحررية” إذا كان مفهوما للتحرر يعني أن تستبدل بالمحتل الفرنسي القديم رعاة أجانب جدد، فقط كونهم يتحدثون بالروسية.

*المصدر: الجزيرة