روسيا وايران قبل فقدانها

د عاطف معتمد

جاءني إشعار من موقع “الكرملين” بظهور فيديو جديد للرئيس فلاديمير بوتين مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. أنا مشترك منذ سنوات في متابعة ما يبثه الكرملين يوميا عن أنشطة الرئيس الروسي في العلاقات الدولية والمؤتمرات الصحفية.
من بين كل 10 إشعارات افتح واحدا، وبالأمس كان اللقاء يستحق المتابعة.

يجلس عباس عراقجي أمام بوتين في تقليد لا يتكرر كثيرا، فعادة ما يكتفي الكرملين بتصدير وزير الخارجية سيرجي لافروف لمقابلة وزراء الخارجية.

ملامح عراقجي لا تستطيع أن تخفي السعادة والفخر، لا سيما حينما أطرب بوتين مسامعه بمديح مستحق عن الشجاعة الإيرانية في الحفاظ على استقلالها.

يأخذنا هذا المشهد إلى 60 سنة مضت، حينما كان الزوار المصريون يلتقون زعماء الكرملين في موسكو لترتيب صفقات السلاح والشراكة مع السوفييت لمواجهة إسرائيل وأمريكا.

الأوضاع حاليا مختلفة، لا يشكو الإيرانيون من تسويف روسي، ولا من تباطؤ أو تلكؤ الكرملين في تعزيز الأسلحة أو حجب أسلحة أخرى.

في زمن عبد الناصر كانت موسكو مشتركة ومتورطة في عشرات المواقع حول العالم، وكانت الحرب بالوكالة تمتد من فيتنام وكوريا والشرق الأقصى وصولا إلى أمريكا اللاتينية. كان بدهيا ألا تحصل مصر إلا على نصيب قليل من ميزانية الانخراط السوفيتي في خريطة الكرة الأرضية.

روسيا المعاصرة أصغر حجما في الخريطة، أقل تورطا حول العالم، وبالتالي لا بد أن تكون أكثر فعالية في ملف واحد دون تشتت.

التعاون الروسي الإيراني في حرب أوكرانيا كان بداية لأن تخطو إيران خطوة أقوى من أي شريك عربي في التاريخ المعاصر.

بوتين أيضا يستثمر استثمارا مضاعفا في إيران.

لقد تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط إلى إخراج سوريا من نفوذ الكرملين،
أنت لا تتخيل فداحة خسارة سوريا، سوريا التي بقيت وفية للروس بعد أن خلع السادات نفسه وأخذ المنطقة إلى المعسكر الأمريكي.

الاستثمار في إيران أصبح استثمارا أحاديا، لم تعد هناك مصر ولا سوريا، وخرج العراق من دائرة النفوذ قبل ربع قرن مع الغزو الأمريكي في 2003.

ومع الإطراء والمديح، حاول بوتين في استقباله لعباس عراقجي أن يحتفظ بأهمية بلاده لدول الخليج العربي فتجده يختم كلمة الترحيب بأن روسيا لن تدخر وسعا لإقرار السلام لكل شعوب المنطقة.

وفي هذا حرص على عدم خسارة التعاون الاقتصادي الذي كان قد بدأت معالمه مع دول الخليج العربية، والتي أبدت استعدادا “سخيا” للعمل مع روسيا.

وحتى نضع الأمور في نصابها البروتوكولي فإن عباس عراقجي لم يجلس أمام بوتين رأسا برأس إلا لأن قيادات إيران قد تم تصفيتها مع اختفاء جزئي أو كلي للمرشد الجديد.

عراقجي أيضا لا يجلس كوزير خارجية في زيارة شكلية، أو يطلب مساعدة اقتصادية، بل جاء من دولة تحارب، الدول التي تحارب لديها اقتصاد فعال منتج قادر على المواصلة.

حين سأل أحد الصحفيين ترامب “:هل تعتقد أن روسيا تساعد إيران بأسلحة متقدمة أوقعت الولايات المتحدة في خطر؟”

جاءت إجابة ترامب على السؤال البدهي: “انت صحفي أحمق ! “.

يزداد الاستثمار الروسي في الوقوف مع إيران أهمية بعد حصيلة تربو عن 50 سنة من خسائر الكرملين في الشرق الأوسط:
– خسارة مصر في السبعينيات
– خسارة العراق في مطلع الألفية
– خسارة سوريا قبل عدم أعوام

جغرافية إيران السياسية هي أقرب الجغرافيات العربية والشرق أوسطية للطموحات والمصالح الروسية، وهي أقرب جار لروسيا من بين كل دول الإقليم، وهذا ما يضاعف الاستثمار ويقوي موقف إيران في التقييم الجيواستراتيجي في المدى المتوسط.

تحملت روسيا في الأيام الأولى من الحرب خسائر كبيرة في سمعتها حين بدا أنها تخلت عن حليفها التقليدي وتركت اغتيالات وبلطجة دولية في العمق الإيراني.
لكن روسيا – التي احترفت المناورة – عادت في لحظة ما قبل سقوط طهران لتقدم تقنيات مهمة أسقطت بها إيران عدة طائرات أمريكية، كما قدمت معلومات ساعدت إيران على ضرب البطن الرخوة في دول الخليج العربية مما ساهم في منح إيران طوق نجاة في وقت حرج للغاية.

ولم يكن لروسيا أن تتفرغ لدعم إيران إلا بعد أن أتمت مهمتها في أوكرانيا، لكنها أتمت مهمتها في أوكرانيا مقابل خسارة سوريا.

لا أحد يكسب دوما ..لا أحد يربح كل شيء !

د عاطف معتمد – اكاديمي