كيف غيرت أموال الخليج شكل الاقتصاد العالمي؟
من "فائض المدخرات العالمي" إلى مخاطر الحرب على إيران
- محمود الشاذلي
- 27 أبريل، 2026
- تقارير
- ارتفاع أسعار النفط, الأسواق الأمريكية, الولايات المتحدة, وزير الخزانة الأمريكي
في أواخر مايو 2008، ومع تصاعد أزمة الرهون العقارية الثانوية في الولايات المتحدة، سافر وزير الخزانة الأمريكي هنري بولسون بسرعة إلى جدة في السعودية، ثم أبوظبي وقطر. كان الهدف إقناع الدول الخليجية الثلاث بضخ جزء من فوائضها المالية الهائلة — الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط — في الأسواق الأمريكية للمساعدة في احتواء الأزمة.
في خطاب له في أبوظبي، أشار بولسون إلى أن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى تراكم رأس مال ضخم في منطقة الخليج، متوقعاً أن تساهم دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 18% من صادرات رأس المال العالمية في 2008. كما طمأن الحضور على متانة الاقتصاد الأمريكي وترحيب السوق بالاستثمارات الخليجية.
كانت دول الخليج بالفعل مهتمة بالاستثمار في الولايات المتحدة. مثال بارز: اشترت الهيئة العامة للاستثمار الكويتية في يناير 2008 أسهماً ممتازة في بنك سيتي جروب بقيمة 3 مليارات دولار، عندما كان البنك يعاني خسائر كبيرة. وبحلول ديسمبر 2009، حولت الأسهم إلى عادية وباعتها مقابل 4.1 مليار دولار، محققة ربحاً بنسبة 37%.
لغز غرينسبان و”فائض المدخرات العالمي”
في فبراير 2005، أثار رئيس الاحتياطي الفيدرالي آلان غرينسبان “لغزاً” أمام الكونغرس: انخفاض العوائد على السندات طويلة الأجل رغم رفع الفائدة قصيرة الأجل. بعد أسابيع، قدم بن برنانكي (عضو مجلس المحافظين آنذاك) تفسيراً في محاضرة بـ”ريتشموند” في مارس 2005 بعنوان “فائض المدخرات العالمي وعجز الحساب الجاري الأمريكي”.
أرجع برنانكي الظاهرة إلى تدفق فوائض المدخرات من دول عدة — بما فيها دول الخليج والصين واليابان — إلى سوق السندات الأمريكية، مما زاد الطلب على السندات طويلة الأجل وخفض عوائدها. ساهمت دول الخليج في هذا “الفائض” بفضل ارتفاع أسعار النفط (من حوالي 10 دولارات للبرميل في 1998 إلى أكثر من 50 دولاراً في 2005، ثم تجاوز 100 دولار في 2008).
اعتمدت دول الخليج نهجاً استثمارياً محافظاً: ضخ جزء كبير من فوائضها في سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل (آمنة لكن بعوائد منخفضة). بين 2005 و2014، وضعت دول مجلس التعاون أكثر من 800 مليار دولار في احتياطيات دولية، معظمها في سندات أمريكية. ساهم ذلك في خفض العائد على سندات الخزانة بنحو 25 نقطة أساس، ووفر على دافعي الضرائب الأمريكيين حوالي 700 مليار دولار في فوائد محتملة أعلى.
تحول الاستراتيجية الخليجية: من السندات إلى المخاطرة العالية
في السنوات الأخيرة، ابتعدت دول الخليج تدريجياً عن التركيز على سندات الخزانة الأمريكية، وبدأت في استثمارات أعلى مخاطرة وأعلى ربحية لتنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط. مثال: في 2016، كشف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن خطط لعصر ما بعد النفط، مدعومة بتمويلات قد تصل إلى 2 تريليون دولار، مع التركيز على تحويل فوائض أرامكو إلى استثمارات عالمية على غرار صندوق النرويج.
اليوم، تملك دول الخليج 11 صندوق ثروة سيادي بأصول تقدر بحوالي 6 تريليون دولار (معظمها من عوائد النفط والغاز). في نهاية 2021، ارتفعت نسبة الاستثمارات عالية المخاطر إلى 44% (مقابل 17% في 2007). من 2021 حتى الآن، استثمرت الصناديق الخليجية أكثر من 430 مليار دولار. من كل دولار من عوائد النفط، يُوجه نحو 75 سنتاً إلى الاستثمار الخارجي في أسهم، سندات، شركات خاصة، عقارات، بنية تحتية، ذكاء اصطناعي، سيارات كهربائية، رياضة، وترفيه.
وفقاً لأحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكية (فبراير 2026)، تمتلك السعودية 160.4 مليار دولار من سندات الخزانة، والإمارات 119.9 مليار دولار. دول الخليج مجتمعة تملك نحو 2-3% فقط من إجمالي سندات الخزانة الأمريكية (مقابل 13% لليابان وحدها).
أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي قوة مؤثرة في الأسواق المالية العالمية. في مقال نشره محمد العريان في فايننشال تايمز (22 مارس 2026)، وصف المنطقة بأنها “مركز للاقتصاد الدولي”، مشيراً إلى العدد الهائل من المصرفيين والمستشارين في مكاتب الصناديق السيادية والعائلية.
تأثير حرب إيران والضغوط الاقتصادية
بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (فبراير/مارس 2026)، نقلت فايننشال تايمز عن مسؤول خليجي أن الضغوط المالية (انخفاض إيرادات الطاقة، تعطل الشحن، تضرر السياحة والطيران، وزيادة الإنفاق الدفاعي) قد تدفع دول الخليج إلى مراجعة استثماراتها الخارجية وإعطاء الأولوية للاقتصادات المحلية. ناقشت السعودية والإمارات والكويت وقطر هذه الضغوط، وبدأت بعض الدول مراجعة داخلية لبنود “القوة القاهرة” في العقود.
أكد مسؤول قطري (ماجد الأنصاري) أن التأثير العالمي لدول الخليج لا يقتصر على النفط، وأن تركيزها على الدفاع وسحب الاستثمارات سيؤثر على “كل بيت في الاقتصادات المتضررة”.
التأثيرات المحتملة:
- تباطؤ أو تأجيل التزامات استثمارية سابقة (بما فيها صفقات ترامب مع الخليج التي تجاوزت 2 تريليون دولار معلنة في 2025، شملت السعودية وقطر والإمارات).
- صعوبة في اكتتابات كبرى مثل OpenAI وSpaceX.
- ارتفاع تكاليف الاقتراض للاقتصادات المتقدمة والنامية.
- زيادة العجز في الميزانيات العالمية.
السيناريو الأكثر احتمالاً: توجيه السيولة الجديدة إلى الداخل بدلاً من سحب رؤوس الأموال على نطاق واسع (الذي يُعتبر مستبعداً ومكلفاً).
هل تحل الصين محل أمريكا؟
دول الخليج أثبتت على مدى عقود قدرتها على التكيف والتفكير الاستراتيجي طويل الأمد. من المرجح أن تستعيد عافيتها النفطية ومكانتها كمركز نقل وسياحة. ومع ذلك، قد يؤدي أي تباطؤ في تدفق رؤوس الأموال الخليجية إلى ضربة للأسواق العالمية في وقت تعاني فيه الاقتصادات من عجوزات كبيرة وأزمة طاقة.
هذا التقرير مبني على تحليل حلقة من قناة: المخبر الاقتصادي
_إعداد: أشرف إبراهيم