فتاوى ابن تيمية والشيعة

د ياسر الشمالي يكتب

بعض الفضلاء يستدل بفتوى لابن تيمية رحمه الله، بخصوص الرافضة، لا تبلغها عقول كثير من الناس.
وهذا تعقيب وبيان أنه احتجاج في غير موضعه، ويوقع عامة الناس في الموقف الغلط من الرافضة، والغفلة عن مكرهم وضلالهم وتربصهم بنا، حتى إن كثيرا منهم- عن جهل وغفلة- بدأ يعتقد أنهم من يتعلق بهم حديث (لو كان الدين بالثريا..) وقد سبق أن بينت خطأ هذا الفهم، فقد كانت بلاد فارس سنية ازدهرت بالعلم والعلماء ونصرة الإسلام حتى جاء الصفويون سنة 907 هـ
وهنا نستحضر قول ابن مسعود رضي الله عنه: ” ما أنت بمحَدِّثٍ قَومًا حديثًا لا تبلُغُه عُقولُهم إلَّا كان لبَعضِهم فِتنةً”
نص كلام شيخ الإسلام ابن تيمية:
وَسُئِلَ – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: عَنْ رَجُلٍ يُفَضِّلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى الرَّافِضَةِ؟ فَأَجَابَ:
“الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِهِ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُؤْمِنِ بِذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْبِدْعَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ بِدْعَةَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ؛..” الفتاوى 35/201
قلت: احتج به بعض الفضلاء على أن هذا هو “الموقف الشرعي” من الرافضة، هكذا بتعميم وإطلاق
تعقيب:
أولا: ينبغي مراعاة سياق الكلام والغرض منه، ومعرفة كلام ابن تيمية في سائر كتبه بخصوص الرافضة، فهذا هو النظر الموضوعي، فسياق الكلام هنا عن مطلق التفضيل دون أي حيثية أخرى، فالكلام كان عن يهودي مسالم، ورافضي مسالم ، ولم يكن السؤال عتن يهودي أو صليبي محتل، أو عن رافضي له مشروع واستباح ديار السنة
فالمستدل هنا لم يحرر مناط السؤال، أو يُلبِّس عمدا
فمثلا ذكر القرآن فرح المسلمين بنصر الروم وهم أهل كتاب على الفرس لانهم أهل وثنية في ذلك الزمان، فكان الفرح لأنه لا يوجد اعتداء او ظلم في ذلك الوقت حاصل من احد لطرفين على المسلمين، فالنظر لسياق النص وظرفه هو عين الصواب دون تعميم أو إطلاق
والرافضة في زمان ابن تيمية كانوا أذلة معزولين، ليس لهم دولة، وليس لهم مشروع سياسي قائم، والصراع معهم كان ثقافي عقائدي، لذا تولى ابن تيمية الرد على ضلالهم وافتراءاتهم التي خالفوا فيها اهل الإسلام وبغضهم لأهل السنة وتكفيرهم للصحابة الكرام، وطعنهم في عرض النبي صلى الله عليه وسلم، في كتاب معلوم مشهور وهو: “منهاج السنة”
فالدولة الصفوية التي ارتكبت المجازر وعملت على تشييع أهل إيران وتلك النواحي إنما جاءت سنة 907- للهجرة، وابن تيمية توفي سنة 728هـ، أي لم يشهد مشروعهم وتوسعهم وظلمهم
بناء على ذلك لا يصح المفاضلة بين اليهود والشيعة على أن هذا كافر وهذا مسلم،- مع تكفير عدد من علماء الإسلام للشيعة، ولهذا تفصيل في موضع آخر-
بل يُنظر الآن لكلا الطرفين نظرة واقعية على أن كلا منهما صاحب مشروع سياسي عقائدي، ظالم، طامح بالتوسع والسيطرة الثقافية والاقتصادية، والضحية هم أهل السنة الذين لا حاضن لهم، في ظل انتشار الجهل والوهن، والبحث عن قشة النجاة، وما حصل في العراق وسوريا واليمن خير شاهد. فلم يكن لهم في عصر ابن تيمية دولة توسعية عدوانية طامعة في بلاد أهل السنة، أو تصدر الثورة، ولم يكن لهم قنوات ووسائل إعلام يظهر فيها المعممون يبدون بغضهم وسمومهم وضلالاتهم على الملأ جهارا نهارا
ثانيا: الموقف الشرعي يُرجع فيه لنصوص الكتاب والسنة، وأقوال سائر العلماء، ولا يُكتفى فيه بنقل كلام عالم واحد على انه القول الفصل في الموقف الشرعي، فاستحضار أقوال العلماء المحققين، هو الموقف السليم دون انتقاء
ثالثا: كلام ابن تيمية لا يُفهم منه تمجيدهم والاعتزاز بهم ووصف قتلاهم أنهم شهداء، ولا يعني الركون لهم، ولا يعني الترويج لتشيعهم بقصد أو بغير قصد، حيث بيّن وجه الخيرية وهو كونهم من جملة من ينتسب للإسلام، وأغفل ناقل هذه الفتوى سائر كلامه فيهم في مواضع اخرى
رابعا: لو كان ابن تيمية في زماننا ورأى ما يجهرون به، وقمعهم للسنة في إيران، وسيطرتهم على العراق بعون الأمريكان، وحمايتهم وعونهم لنظام بشار الدموي، وغير ذلك من المخازي، لكان له رأي وكلام آخر
خامسا: كان على من نقل تلك الفتوى الموجزة الموهمة وقطعها من سياقها، النظر في سائر فتاواه وكلامه الناقض لعقيدة الرافضة، الموهن لها، ومن ذلك:
قال ابن تيمبة: (فَمَنْ لَهُ أَدْنَى خِبْرَةٍ بِدِينِ الْإِسْلَامِ يَعْلَمُ أَنَّ مَذْهَبَ الرَّافِضَةِ مُنَاقِضٌ لَهُ، وَلِهَذَا كَانَتِ الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ قَصْدُهُمْ إِفْسَادُ الْإِسْلَامِ يَأْمُرُونَ بِإِظْهَارِ التَّشَيُّعِ وَالدُّخُولِ إِلَى مَقَاصِدِهِمْ مِنْ بَابِ الشِّيعَةِ..) منهاج السنة 8/479)
وقال (والرافضة أمة مخذولة، ليس لها عقل صحيح، ولا نقل صريح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة) اقتضاء الصراط المستقيم(2/353)
وقال: (فَإِنَّهُمْ يَعْمِدُونَ إلَى خِيَارِ الْأُمَّةِ يُعَادُونَهُمْ وَإِلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ يُوَالُونَهُمْ وَيَعْمِدُونَ إلَى الصِّدْقِ الظَّاهِرِ الْمُتَوَاتِرِ يَدْفَعُونَهُ وَإِلَى الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ الَّذِي يُعْلَمُ فَسَادُهُ يُقِيمُونَهُ؛ فَهُمْ كَمَا قَالَ فِيهِمْ الشَّعْبِيُّ – وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهِمْ – لَوْ كَانُوا مِنْ الْبَهَائِمِ لَكَانُوا حُمْرًا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ الطَّيْرِ لَكَانُوا رَخَمًا”، ولهذا كانوا أبهت الناس وأشدهم فرية) .مجموع الفتاوى (٤٧٢/٤)
وبالله التوفيق

د ياسر الشمالي – استاذ شريعة