بعد إقرار موازنة موحدة هل باتت ليبيا قريبة من إنهاء الانقسام؟

في ظل غياب سلطة مركزية موحدة تبقى أي ميزانية عرضة للتأويل السياسي

الرائد- بدأت ليبيا في اتخاذ خطوات نحو توحيد مؤسساتها، فبعد إقرار “موازنة موحدة”، تبشر لجنة “3+3” بالتحام المؤسسة العسكرية بما قد يقود لاحقاً نحو تهيئة الظروف الملائمة لتوحيد السلطات التنفيذية للدولة الليبية المنقسمة بين شرقي وغربي البلاد.

التطورات الأخيرة ترفع التفاؤل في بلد أنهكته ازدواجية السلطة والانقسام الحكومي، ولم تفلح محاولات الدفع نحو التوافق، على التوصل إلى أرضية مشتركة تعيد توحيد مؤسسات الدولة.

وعلى الرغم من اتفاق خبراء على أن آخر النفق بدأ يتراءى في ليبيا، إلا أنهم ينقسمون حول الجزئية التي من شأنها أن تفتح أبواب الوحدة على جميع المستويات، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

فمن يمتلك مفتاح توحيد ليبيا وإنهاء الأزمة المزمنة؟ وأي عقبات تنفيذية قد تعرقل الطريق وترجئ الوفاق المنشود؟

اختبار الموازنة الكبير

جاء إعلان محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، قبل أيام، توقيع ممثلي مجلسي النواب والأعلى للدولة على اتفاق الإنفاق العام الموحد، كملحق للاتفاق التنموي الموحد، ليشكّل تحولاً مالياً يعد الأبرز منذ أكثر من 13 عاماً.

ويعتبر خبراء هذه الخطوة، التي لاقت ترحيباً وإشادة، مدخلاً للانضباط المالي وتحسين المؤشرات الاقتصادية، لكنهم ينظرون إليها أيضاً باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الليبية على الانتقال من منطق الانقسام إلى منطق الإدارة الموحدة للإنفاق العام.

ويعد الاتفاق نتيجة مباشرة لخطة العمل الأميركية بإشراف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، فيما يأمل الليبيون أن يقود الاتفاق إلى انفراجة تقطع الطريق على أحد أبرز مصادر الاضطراب الاقتصادي.

رحبت دول أميركا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ومصر وتركيا والسعودية والإمارات وقطر بتوقيع بتوقيع ميزانية موحدة لليبيا لأول مرة منذ أكثر من 10 سنوات.

وتعاني ليبيا من وجود حكومتين، الأولى حكومة “الوحدة الوطنية” برئاسة عبدالحميد الدبيبة التي تدير غرب البلاد ومقرها العاصمة طرابلس، وحكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب، ومقرها مدينة بنغازي، وتدير شرق البلاد ومدناً بالجنوب.

وفي ظل غياب ميزانية موحدة، اعتمدت الحكومتان على الإنفاق الموازي والمزدوج، وهو ما فاقم الأزمة الاقتصادية والمالية بالبلد المضطرب.

في قراءته لأبعاد الاتفاق، وصف وزير الدولة السابق للشؤون الاقتصادية في ليبيا، سلامة غويل، توحيد الميزانية بـ”الخطوة الضرورية والمحمودة في هذا التوقيت”، لكنه حذر، في حديث لـ”الشرق بلومبرج”، من أن الخطوة تظل “بطبيعتها وظيفية ومؤقتة أكثر من كونها حلاً جذرياً”.

ومع ذلك يرى غويل أنها “تعيد قدراً من الانضباط المالي، وتخفف من حالة الانقسام في الإنفاق العام، لكن نجاحها يبقى مرهوناً بإشراف مهني موحد من المصرف المركزي، يضمن الشفافية وضبط أبواب الصرف ومنع توظيف المال العام في الصراع السياسي”.

ويلخص الوضع قائلاً إن “التحدي الحقيقي ليس في الإعلان، بل في التنفيذ دون ازدواجية أو التفاف”.

وعن مميزات الاتفاق، يقول عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، سعد بن شرادة: “هي خطوة جيدة، لكن يجري الحديث عن اتفاق مالي”، ويضيف: “في السابق كان كل طرف يتهم الآخر بأنه ينفق بشكل مواز، بمعنى أن المنطقة الشرقية كانت توجه اتهامات للغربية والعكس صحيح، وهذا الاتفاق أنهى هذه الحجة”.

الانسجام المؤسسي

أهمية المسار التنفيذي للاتفاق، حظيت كذلك باهتمام الخبير الأمني الجزائري، أحمد ميزاب، الذي اعتبر أنه لا يمكن التعامل مع هذه الخطوة كإنجاز نهائي بقدر ما تمثل “اختباراً حقيقياً” لقدرة الدولة على إعادة بناء حد أدنى من الانسجام المؤسسي.

ويقول ميزاب إن “الخطوة في جوهرها مهمة، لكنها تظل تقنية أكثر منها سياسية، لأنها لا تعالج أصل الانقسام بل تحاول فقط تنظيم نتائجه”، معتبراً أن هذا التوجه يعكس “محاولة لفرض قدر من الانضباط المالي داخل منظومة تعاني من ازدواجية حادة في مراكز القرار”.

وأضاف أن الهدف هو تقليص تعدد قنوات الإنفاق بين الشرق والغرب، ووضع إطار موحد لإدارة الموارد، خاصة العائدات النفطية التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، وخلق أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لاحقاً في مسار توحيد المؤسسات.

ويقول ميزاب: “لكن الواقع يكشف محدودية هذه الخطوة، فالإشكال لا يكمن في صياغة ميزانية موحدة بقدر ما يرتبط بآليات تنفيذها والجهة التي تمتلك سلطة الرقابة عليها”.

وفي ظل غياب سلطة مركزية موحدة، وتعدد الأجهزة الرقابية تبقى أي ميزانية عرضة للتأويل السياسي وإعادة التوظيف وفق توازنات القوة القائمة، بحسب رؤية ميزاب الذي يشدد على أن توحيد الميزانية يظل إجراءً ضرورياً، لكنه ليس مؤشراً حاسماً في الحالة الليبية.

ويتفق مع ذلك المحلل السياسي الليبي أسامة الورفلي، الذي أعرب عن اعتقاده بأن مبادرة واشنطن الأخيرة بشأن الملف الليبي “تعتبر خطوة إيجابية في حال استفادة الأطراف الليبية منها”.

وأكد الناشط السياسي الليبي، عبد الله الغرياني، أهمية الاتفاق كذلك، معتبراً أنه “نقطة كان من المفترض التوافق عليها منذ صياغة الاتفاقات السياسية والمخرجات السياسية التي أشرفت عليها الأمم المتحدة”.

ويقول الغرياني، في حديثه لـ”الشرق”، إنه “في إطار الانقسام المتكرر، أصبحت عملية التوحيد صعبة جداً، فنحن نتحدث الآن عن 13 عاماً، وفي هذه السنوات حدث إنفاق منفلت بشكل كبير جداً”، مضيفاً أن “توحيد الإنفاق وبضوابط وشروط أمر مهم جداً ونقطة إيجابية”.

الإنفاق والنفوذ

في المقابل، يرى المحلل السياسي الليبي، محمد امطيريد، أن ملف الإنفاق العام “لم يعد مجرد ترتيب مالي مؤقت، بل تحول إلى اتفاق نفوذ دائم يتم خارج أروقة البرلمان والمؤسسات الرقابية التقليدية”.

ويقول امطيريد: “أدرك الفاعلون الدوليون ومسارات الضغط، التي يقودها مسعد بولس، أن انتظار المؤسسات الرسمية للقيام بأدوارها مضيعة للوقت، ولذلك تم تهميش هذه الأجسام تماماً لصالح تفاهمات مباشرة بين أقطاب المال والقوة”.

ويعتبر أن “المصرف المركزي ومؤسسة النفط تحولا إلى أدوات تنفيذية لخدمة توازنات ميدانية كبرى”، معرباً عن قناعته بأن “هذا المسار لا يهدف لبناء دولة مؤسسات، بل لتثبيت نظام محاصصة واقعي يعترف بشرعية السيطرة على الأرض كمبرر وحيد للحصول على حصة من الميزانية، مما يجعل المؤسسات الرسمية مجرد مكاتب توثيق قرارات تُتخذ في مكان آخر”.

ويعارض المحلل السياسي الليبي، محمد الشهباني، هذا الطرح، إذ يرى أن ما حدث يعتبر إنجازاً بعد 13 عاماً من الانقسام، وأن “الإنفاق العام يعد الوجه الآخر للسياسة”.

ويقول الشهباني إن توحيد الميزانية من شأنه أن يكون مدخلاً لإرساء الثقة بين الأطراف المتصارعة، معتبراً أنه “ليس مجرد وثيقة مالية، بل فصلاً جديداً من فصول العمل الجاد نحو تجاوز الخلافات وتكريس الوفاق”.

ولأن أصعب الأمور بداياتها، كما يقول الشهباني، فإن “الاتفاق في حال تفعيله سيكون تجسيداً حقيقياً للإرادة الليبية الجامعة ومؤشراً واضحاً وملموساً على أن ليبيا قادرة على تجاوز خلافاتها عندما تجتمع على رؤية موحدة لمستقبلها”.

مشكلات تطبيق الاتفاق

ويعود عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، ليؤكد أن الإشكال الحقيقي يكمن بالنسبة له “في الإنفاق وليس في الاتفاق”.

ويوضح الجزئية الأخيرة قائلاً: “كإطار عام، نتثبت من أن المدخلات، أي الإيرادات، تساوي المصروفات، وهذه نقطة، لكن مشكلتنا تكمن في المصروفات، فعندما نتحدث عن الباب الرابع، وهو باب الدعم، سنرى أن هذا الرقم ارتفع بنسبة 100% من 2018 إلى 2021”.

ويلخص الطرح قائلاً: “نريد زيادة الإيرادات والتقليل في المصروفات حتى ندعم العملة الليبية مقابل العملات الأجنبية”.

أما الدكتور ميزاب، فيتناول الإشكال في أبعاده المختلفة، معتبراً أن “التحدي الحقيقي في مسار توحيد الميزانية في ليبيا لا يظهر في مرحلة الإعداد، بل يتجلى بوضوح في مرحلة التنفيذ، حيث تتقاطع العوامل السياسية والمؤسساتية والاقتصادية لتجعل من هذه الخطوة اختباراً معقداً”.

ويضيف: “تكمن العقدة الأساسية في غياب سلطة مركزية موحدة تمتلك القدرة على فرض الالتزام، وهو ما يفتح المجال أمام تعدد مراكز القرار وتباين مستويات الامتثال، ويتفاقم هذا الواقع مع تضارب أدوار المؤسسات الرقابية، التي يفترض أن تؤمن الانضباط المالي، لكنها في ظل الانقسام تتحول أحياناً إلى أدوات ضمن صراع الشرعيات”.

والرؤية نفسها يتبناها الخبير العسكري الليبي والباحث في الشأن السياسي، محمد الترهوني، بقوله إن “التحدي يكمن في التنفيذ الكامل للإنفاق”.

ويشرح خلال حديثه لـ”الشرق” قائلاً: “ليبيا أمام معضلة سياسية كبيرة جداً، انقسام سياسي ومحاولة طرف متمثل في حكومة الوحدة الوطنية أو حكومة تصريف الأعمال، وكأنها تحاول بكل قوة أن تشتت أي مسار سياسي لا ينتج عنه اتفاق في الصرف أو اتفاق في الميزانية، لذلك نحن اليوم أمام مختنق (مأزق)”.

ويعتقد الترهوني بوجود “ضرورة ملحة من أجل أن نرى تبعات المشروع الحقيقي من حيث ضرورة إنهاء هذا التشظي وتزمت هذه الأطراف ووضعها بدائرة العقوبات في حال تمسكها بعدم التنفيذ أو عدم الالتزام”.

وبالنسبة له، “طالما بقي هذا النوع من التشبث والسيطرة من طرف سياسي، فلا جدوى من عمليات الترميم المالية في ظل وجود المعضلة الرئيسية، ولذلك وجب حل هذه المعضلة حتى نصل إلى حل رئيسي ينتج عنه تعديل في سعر الصرف، وأيضاً الميزانية وصرفها وتوزيعها”.

ويضيف أن حل هذه المسألة يكمن في ضرورة حل الأزمة السياسية، فيما “يظل السؤال الحاسم الذي يحدد مصير هذه العملية هو من يملك فعلياً سلطة فتح وغلق الصنبور المالي، لأن الإجابة عن هذا السؤال تعكس موقع القرار الحقيقي داخل الدولة، وليس فقط شكله المعلن”.

قال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس إن الولايات المتحدة تعمل بين مع القادة في ليبيا بين الشرق والغرب لوضع خطوات ملموسة للاندماج.

وتستمر مناورات “فلينتلوك 2026″، التي تشارك فيها قوات من أكثر من 30 دولة، لمدة أسبوعين، وفق بيان سابق لسفارة واشنطن لدى ليبيا.

و”فلينتلوك” تمرين عسكري سنوي تقوده “أفريكوم” منذ عام 2005، ويهدف إلى تعزيز قدرات القوات المسلحة للدول المشاركة في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود.

وتزيد المناورات من آمال توحيد الجيش الليبي تحت مظلة الراعي الأميركي، فيما تولي واشنطن اهتماماً بالتعاون مع القوات الليبية لتحقيق الأمن الإقليمي.

وفي تعليقه على هذا الجانب، يعتبر الغويل، أن “مسارات التنسيق والتدريب المشترك، مثل مناورات فلينتلوك 2026، تحمل رسائل إيجابية تستحق التشجيع، لأنها تفتح باباً عملياً لبناء مؤسسة عسكرية مهنية وموحدة”.

والأهم، بالنسبة للوزير السابق، سلامة غويل، هو “استثمار هذه الخطوات في استيعاب التشكيلات المسلحة داخل إطار الدولة، بما يعزز وحدة الجيش، باعتباره ملاذ أمن الوطن وضمان استقراره”.

ويتطرق الترهوني إلى واحدة من النقاط موضع الجدل في المشهد الليبي، وهي الجماعات المسلحة النافذة التي يعتبرها “المعرقل الرئيسي والأساسي لأي اتفاق عسكري أو سياسي”.

وشدد الترهوني على “ضرورة إنهاء مثل هذه التشكيلات المسلحة وتفكيكها بشكل كامل، وحينها سنصل إلى مؤسسة عسكرية موحدة”، لافتاً في الوقت نفسه، إلى وجود معارضة من هذه المجموعات لأي اتفاق ليبي ليبي.

تعيش ليبيا وضعاً سياسياً معقداً، ونزاعات مسلحة متكررة، أفضت إلى مؤسسات مفككة، وانقسام سياسي عميق، وصل إلى كل مناحي الدولة، ويكاد لا ينجو منها أي مؤسسة.

أما الناشط السياسي عبد الله الغرياني، فيؤكد أن “توحيد السلاح وتناسق العمل العسكري شرقاً وغرباً، يشكل خطوة إيجابية جداً”.

في المقابل، يمضي أحمد ميزاب إلى أبعد من ذلك بقوله إن المناورات تشكل “مساراً أمنياً يهدف إلى خلق حد أدنى من التنسيق بين مكونات عسكرية متباينة داخل الفضاء الليبي”.

وبالنسبة له، “يحمل هذا التمرين دلالات تتجاوز طابعه التدريبي، إذ يسعى إلى بناء قنوات تواصل ميداني بين وحدات مختلفة، وإدخال عناصر من عقيدة عسكرية مشتركة، إلى جانب اختبار مدى قابلية هذه التشكيلات للاندماج على المستوى العملياتي”.

ومع ذلك، يعتقد ميزاب أن “حدود هذا المسار تظل واضحة، فهو لا يؤدي إلى بناء جيش موحد بالمعنى المؤسسي، بل يظل في إطار تنسيق ظرفي تحكمه أجندات خارجية وتوازنات دولية”.

ويضيف: “كما أنه لا يلامس الإشكال الجوهري المتعلق بالقيادة السياسية للمؤسسة العسكرية، وهي النقطة التي تحدد في النهاية طبيعة القرار العسكري ووحدته، لذا يبقى هذا المسار داعماً تقنياً للتقارب الأمني، دون أن يكون قادراً على تحقيق توحيد فعلي ومستدام”.

وفي ذات الاتجاه تقريباً يذهب المحلل السياسي امطيريد، الذي يرى أن مناورات “فلينتلوك 2026″، لم تعد مجرد مناورات تقنية أو شكلي، بل تحولت إلى “منصة بديلة لإعادة هيكلة المشهد العسكري بعيداً عن وهم توحيد المؤسسة عبر الحوارات السياسية”.

ويعتبر امطيريد أن انخراط وحدات من الشرق والغرب في تنسيق ميداني مباشر بإشراف دولي هو إعلان صريح عن تجاوز “القيادات السياسية” التي تدعي السيطرة على هذه القوات.

وهذا المسار، وفق رؤيته، يهدف إلى “خلق كتلة أمنية نفعية ترتبط بمصالح دولية وميدانية مباشرة، مما يسحب البساط تماماً من تحت أي سلطة مدنية رسمية تحاول استخدام الملف العسكري كورقة ضغط”.

ويقول، خلال حديثه لـ”الشرق”، إن “الرسالة هنا واضحة: الأمن لا يُصنع في اجتماعات أو عبر بيانات الحكومات، بل عبر تحالفات ميدانية عابرة للانقسامات التقليدية، تجعل من القادة العسكريين شركاء سياسيين مباشرين، لا مجرد أدوات تنفيذية”.

لكن الباحث الليبي في الشأن السياسي، إدريس حميد، يبدو منسجماً أكثر مع الطرح القائل إن المناورات “تأتي في إطار بحث الولايات المتحدة عن مصالحها عبر دور في ليبيا”.

كما أنها “فرصة للطرف الليبي، عبر لقاء طرفي المؤسسة العسكرية الليبية بما قد يتيح فرصة للتعارف والمساهمة والاستفادة”.

ويوضح: “إذا تحدثنا عن جانب توحيد المؤسسة العسكرية، نعلم أن القيادة العامة للجيش الليبي جاهزة وتملك زمام أمورها وبإمكانها المساهمة في تنظيم وإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية بالتعاون مع المؤسسة العسكرية الموجودة في الغرب”.

ويضيف حميد: “لكن نلاحظ وجود أطراف لا تريد أي تقارب ليبي، لأنه إذا حدث تقارب فستخرج هذه الأطراف من المشهد، ولذلك تستعين بالتشكيلات المسلحة، ولاحظنا التصريحات الرافضة من أولئك الذين لا يمثلون الليبيين”.

السلطة التنفيذية.. المؤسسات أولاً؟

ينظر البعض إلى المؤسسات الدائمة التي تكون منتخبة من الشعب باعتبارها ضلعاً محورياً بمقاربة الاستقرار الليبي وتوحيد البلاد.

ويرى الغويل أن “المسار السياسي يبقى جوهر الحل، لكن لا ينبغي أن يُحسم بفرض أمر واقع أو تحت ضغط خارجي، بل عبر إرادة الليبيين أنفسهم، مع احترام الملكية الوطنية للمشروع السياسي”.

ويقول إن “الجهود التشريعية المشتركة قطعت شوطاً مهماً نحو قاعدة قانونية للانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية، مع طرح شخصيات تتنافس بشكل مشروع على قيادة المرحلة القادمة”.

وفي هذا السياق، تبرز الدعوات العقلانية التي تطالب بإنهاء حالة التمديد وفتح المجال لمرحلة جديدة قائمة على التنافس والاحتكام للصندوق.

والخلاصة بحسب رأي الغويل تكمن في أن “الرهان ليس على خطوة بعينها، بل على تكامل المسارات: مالية تضبط، وعسكرية توحّد، وسياسية تحسم بإرادة وطنية، عندها فقط ننتقل من إدارة الأزمة إلى إنهائها”.

ويعود ميزاب ليقول، إنه “بدون وجود سلطة تنفيذية واحدة تمتلك الشرعية والقدرة على فرض القرار، تفقد بقية المسارات معناها العملي”.

ويعتقد أنه “لا يمكن لميزانية موحدة أن تُنفذ بفعالية في ظل تعدد الحكومات، كما يستحيل تحقيق توحيد فعلي للمؤسسة العسكرية دون مرجعية سياسية واحدة تضبط القرار وتحدد أولوياته، وفي هذا السياق، تبقى مختلف المؤسسات رهينة الانقسام، مهما بدت بعض خطوات التوحيد شكلية أو جزئية”.

ويقول ميزاب: “يظل هذا المسار هو الأكثر تعقيداً لأنه لا يتعلق بإجراءات تقنية بل بإعادة هندسة التوازنات السياسية القائمة”.

ويرى أن “توحيد السلطة التنفيذية يعني بالضرورة إعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين، وإعادة صياغة آليات تقاسم الموارد، فضلاً عن الحاجة إلى ضمانات إقليمية ودولية تواكب هذا التحول وتمنع انهياره”.

ويضيف: “في هذا الإطار، يتضح أن الترتيب الواقعي للتأثير يبدأ بالسلطة التنفيذية، باعتبارها المدخل الأساسي لأي توحيد حقيقي، ثم تأتي المؤسسة العسكرية كأداة لحماية هذا التوحيد وترسيخه، وأخيراً الميزانية كآلية لتنظيم الموارد وتوجيهها، وعكس هذا الترتيب لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة”.

إنهاء الانقسام أم إدارته؟

لذلك يعتقد ميزاب أن ما يجري حالياً “لا يرقى إلى مستوى إنهاء الانقسام، بل يندرج ضمن إدارة هذا الانقسام ومحاولة ضبطه”.

ويقول: “توحيد الميزانية يظل خطوة ضرورية، لكنه غير كافٍ بمفرده، كما أن المناورات قد تساهم في خلق قدر من التقارب الأمني، لكنه يبقى محدود الأثر في غياب غطاء سياسي موحد”.

ويشرح ميزاب تصوره لما يسميه “توليفة الحسم الفعلي”، فيقول إنها “تبدأ من اتفاق سياسي صلب يفضي إلى سلطة تنفيذية واحدة، قادرة على فرض القرار، وعندها فقط يمكن تفعيل بقية الأدوات، سواء تعلق الأمر بتوحيد المؤسسة العسكرية أو بإدارة الموارد المالية ضمن ميزانية موحدة”.

ويشدد على أن مقاربة التوحيد تكمن في “إنهاء الانقسام السياسي بين الحكومتين، وإنهاء التشكيلات المسلحة المتطرفة التي تعارض اليوم أي حل سياسي، وإنهاء التيارات التي لا تسعى لأن يكون هناك وفاق ليبي، وهذا ما سيقود إلى انتخابات”.

أما امطيريد فيعتبر أن الانتخابات “تجاوزت كونها هدفاً ديمقراطياً لتصبح أداة تصفية نهائية”، لافتاً إلى أن “القوى الفاعلة لا تسعى لانتخابات حرة بالمعنى التقليدي، بل لعملية تشرعن الأمر الواقع وتمنح الفائزين من أصحاب النفوذ غطاءً قانونياً دولياً”.

ويقول إن أي حديث عن “قاعدة دستورية” هو “مجرد تغليف قانوني لصراع القوة؛ فالأزمة ليست في النصوص، والبندقية هي التي ستحدد من يحق له الترشح ومن يملك حق الفيتو على النتائج”.

لكن المحلل السياسي محمد الشهباني يعتقد، عكس سابقه، أن الأزمة على مستوى النصوص هي ما قادت نحو التعثر في التنفيذ، مشدداً على أن “المقاربة متكاملة في هذا الصدد، وأن التوافق يجب أن يبدأ من النصوص وصولاً إلى التجسيد”.

ويضيف الشيباني: “لا تحتاج ليبيا اليوم إلى ترتيب مفاتيح استقرارها ووحدتها بقدر حاجتها لإرادة سياسية من الأطراف، نابعة من إيمانهم بضرورة إنهاء سنوات الانقسام و الانضواء تحت مظلة الوطن”.

*المصدر: الشرق بلومبرج