فتح هرمز لا يكفي وثقة الشحن غائبة
وسط حالة القلق التي تسيطر على قطاع الشحن الدولي
- السيد التيجاني
- 17 أبريل، 2026
- تقارير
- إيران, الولايات المتحدة, شركات الشحن, مضيق هرمز
إعلان إيران إعادة فتح مضيق هرمز أعاد قدراً من الأمل إلى الأسواق العالمية، لكنه لم يبدد حالة القلق التي تسيطر على قطاع الشحن الدولي. فالممر الذي يمثل شرياناً رئيسياً للطاقة والتجارة العالمية ما يزال محاطاً بمخاطر أمنية معقدة، تجعل العودة إلى طبيعته مسألة تتجاوز مجرد إعلان سياسي.
ثقة مفقودة رغم إعلان الفتح
لم تتعامل شركات الشحن مع إعلان فتح مضيق هرمز بوصفه نهاية للأزمة، بل كبداية مرحلة اختبار. فالتجارب السابقة في المنطقة، خاصة خلال فترات التصعيد العسكري، خلقت فجوة عميقة في الثقة بين الفاعلين التجاريين والواقع الأمني.
يقول الخبير في شؤون النقل البحري لارس جنسن إن “الشركات لا تحتاج إلى تطمينات سياسية، بل إلى مؤشرات تشغيلية واضحة على الأرض، مثل إزالة الألغام وتحديد ممرات آمنة بشكل دقيق”. ويضيف أن أي غموض—even بسيط—قد يدفع الشركات إلى تجنب المخاطرة.
من جانبه، يرى الباحث في الأمن البحري ديرك سيبرز أن “المشكلة ليست في إعلان الفتح، بل في آلية تطبيقه. من يضمن سلامة السفن؟ ومن يراقب الالتزام بالقواعد؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات واضحة”.
هذا الغموض يفسر التباطؤ في استئناف العبور، حيث تفضل الشركات الانتظار حتى تتضح الصورة بشكل كامل، بدلاً من المخاطرة في بيئة غير مستقرة.
شركات الشحن بين الخسائر والمخاطر
تواجه شركات الشحن الكبرى مثل ميرسك وهاباج لويد ضغوطاً متزايدة لإعادة تشغيل خطوطها عبر المضيق، خاصة في ظل التكاليف المرتفعة للطرق البديلة.
لكن القرار ليس سهلاً. فبحسب الخبير الاقتصادي بيتر ساند، فإن “تكلفة تحويل المسارات عبر رأس الرجاء الصالح مرتفعة، لكنها تبقى أقل خطورة من احتمال تعرض سفينة لهجوم أو حادث أمني”.
كما يلعب التأمين البحري دوراً محورياً في هذا القرار. ويشير المحلل في قطاع التأمين ماركوس بيكر إلى أن “أقساط التأمين في المناطق عالية المخاطر قد تضاعفت عدة مرات، وأي شركة لا تأخذ ذلك في الحسبان قد تواجه خسائر كبيرة”.
ردود الفعل داخل القطاع تعكس هذا التردد. فبعض الشركات أعلنت استعدادها للعودة “قريباً”، لكنها ربطت ذلك بحل قضايا عالقة مثل وضوح المسارات والتنسيق مع الجهات المعنية. بينما فضلت شركات أخرى التزام الصمت أو تأجيل القرار.
حسابات السياسة الدولية وتعقيد المشهد
التحركات الأوروبية بقيادة كير ستارمر وإيمانويل ماكرون تعكس إدراكاً متزايداً لأهمية حماية الملاحة في مضيق هرمز، لكنها تكشف أيضاً عن تعقيد المشهد السياسي.
يقول الباحث في العلاقات الدولية جوليان بارنز داسي إن “أي مهمة دولية لحماية الملاحة تحتاج إلى توازن دقيق بين الردع وعدم الاستفزاز، وهو أمر صعب في ظل التوترات الحالية”.
في المقابل، يرى الخبير العسكري مايكل نايتس أن “وجود قوة بحرية متعددة الجنسيات قد يكون ضرورياً لإعادة الثقة، حتى لو كان ذلك بشكل مؤقت”.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في غياب تنسيق مباشر مع إيران، إضافة إلى الموقف الأمريكي الذي أشار إليه دونالد ترمب برفضه الحاجة إلى دعم الحلفاء.
هذا التباين في المواقف يجعل أي مبادرة دولية عرضة للتعثر، ويزيد من حالة عدم اليقين.
الأسواق العالمية بين التفاؤل والقلق
استجابت الأسواق بسرعة لإعلان فتح مضيق هرمز، حيث تراجعت أسعار بعض السلع وارتفعت الأسهم. لكن هذا التفاعل يعكس تفاؤلاً حذراً، وليس ثقة كاملة.
يقول الخبير الاقتصادي محمد العريان إن “الأسواق تتفاعل مع الأخبار الإيجابية بسرعة، لكنها تبقى حساسة لأي تطور سلبي، خاصة في نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل هرمز”.
كما يشير محللون إلى أن الأزمة الحالية أعادت تسليط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. فاعتماد العالم على ممرات ضيقة يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير واسع.
ردود الفعل في أسواق الطاقة كانت واضحة، حيث شهدت الأسعار تقلبات حادة خلال فترة قصيرة، ما يعكس حالة عدم الاستقرار.
توقعات المرحلة المقبلة.. بين التعافي والانتكاس
يرى الخبراء أن مستقبل الملاحة في مضيق هرمز سيعتمد على مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها التطورات الأمنية، ومدى التزام الأطراف بالتهدئة، ونجاح الجهود الدولية في توفير ضمانات حقيقية.
يقول لارس جنسن إن “العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهر، وليس أياماً، لأن بناء الثقة يحتاج إلى وقت”.
بينما يحذر مايكل نايتس من أن “أي حادث صغير قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر”.
في المقابل، يرى محمد العريان أن “استمرار التهدئة ولو بشكل هش قد يكون كافياً لإبقاء الأسواق مستقرة نسبياً، لكنه لا يلغي المخاطر”.
يبقى مضيق هرمز اليوم في منطقة رمادية بين الفتح النظري والإغلاق العملي. فالملاحة لم تتوقف تماماً، لكنها لم تستعد عافيتها أيضاً.
ما يجري ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على حماية أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وبينما تنتظر الشركات وضوح الصورة، يظل العالم يراقب، مدركاً أن استقرار هذا المضيق لا يعني فقط سلامة السفن، بل استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.