قراءة في كتاب: “العنصرية”.. للدكتور ياسر عبد التواب (1)
يسري الخطيب يكتب
- dr-naga
- 16 أبريل، 2026
- رأي وتحليلات
- الجنس الأري, الحرب العالمية الثانية, العرق الأمريكي, العنصرية, د. ياسر عبد التواب, كتاب العنصرية
في لحظةٍ يزداد فيها الحديث عن الحقوق والحريات، وتتصاعد فيها خطابات المساواة في الفضاء العام، يطلّ هذا الكتاب عن “العنصرية” كاشفًا عن الوجه الآخر، الوجه الذي لا يُرى بسهولة، لكنه حاضر في التفاصيل اليومية، وفي بنية التفكير قبل أن يكون في السلوك.
ومن هنا تأتي أهمية نشره على حلقات في الأمة الثقافية، بوصفه عملاً يفتح ملفًا شائكًا لا يزال يؤثر في حاضر العالم كما أثّر في تاريخه.
الوجه البغيض
الجزء الذي بين أيدينا يحمل عنوانًا دالًا: “العنصرية: ذلك الوجه البغيض”، وهو ليس مجرد مدخل تعريفي، بل أقرب إلى بيانٍ فكريٍّ وأخلاقيٍّ يضع القارئ أمام طبيعة هذا الداء، وكيف يتحول الإنسان — تحت وطأته — من كائنٍ عاقلٍ إلى أداة إقصاءٍ وعدوان.
لا يكتفي النص بوصف العنصرية بوصفها انحرافًا سلوكيًا، بل يقدّمها كمنظومة متكاملة تبدأ بفكرةٍ متعالية، وتنتهي بممارسات قد تصل إلى الإبادة.
في هذا الجزء التمهيدي، يمضي المؤلف إلى تفكيك المفهوم من جذوره: لغويًا واصطلاحيًا، ثم ينتقل إلى تتبّع تمظهراته في التاريخ الإنساني، من النماذج الدينية والطبقية القديمة، إلى الأنظمة الحديثة التي لبست لبوس “القانون” أو “العلم” لتبرير التمييز.
ويبرز هنا خيطٌ ناظم في الطرح، وهو أن العنصرية مهما اختلفت مبرراتها تقوم دائمًا على وهم التفوق، وعلى نفي الآخر وتجريده من إنسانيته.
ما يميز هذا الفصل أنه لا يقدّم مادة نظرية باردة، بل يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع خطورة الفكرة حين تتحول إلى قناعة جمعية، وكيف يمكن أن تُنتج أنظمة كاملة من الظلم، وأن تبرر أبشع الجرائم باسم الدين أو العرق أو الحضارة. كما يلمّح منذ البداية إلى أن مواجهة العنصرية ليست شأنًا قانونيًا فقط، بل معركة وعي وأخلاق، تبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه إنسانًا، قبل أي انتماء آخر.
بهذا المعنى، يمهّد هذا الجزء لبقية فصول الكتاب، واضعًا الأساس النظري والتاريخي لفهم الظاهرة، ودافعًا القارئ إلى قراءة ما يلي بعينٍ أكثر نقدًا، وإدراكًا أن ما سيأتي ليس مجرد سردٍ للماضي، بل قراءةٌ لما لا يزال يتكرر بصورٍ مختلفة في واقعنا المعاصر.
المقدمة
يستهلّ د. ياسر عبد التواب كتابه بمقدمةٍ لافتة حملت عنوان «العنصرية: ذلك الوجه البغيض»، يغوص فيها في تشريح هذا المفهوم المعقّد، كاشفًا جذوره النفسية والفكرية، ومقدّمًا خلاصة رؤيته التي تمثّل في الحقيقة مفتاح قراءة الكتاب كله، إذ يكتب:
العنصرية داء الأمم والحضارات الذي يخرج الإنسان عن إنسانيته ويحوله إلى وحش غاشم لا يرى إلا نفسه ومن على شاكلته ويتنكر للإنسانية وللتعقل والحكمة ويفتقد الرحمة والأدهى أن يظن ذلك نبلا وترفعا بينما هو خسة وانحطاطا وتكبرا وجهلا : إنها ذلك المرض ، الذي يعدي من يبتلى به من حوله ، فينظرون للحياة من خلال تصور سقيم ، يتنكر لكل الثوابت الفطرية والأخلاقية، ويتنافى مع كل عقل وعدل : ينظرون إلى غيرهم على أنهم أعداء سواء كان ذلك بسبب اختلاف العرق او الجنس أو الدين او الثقافة او التاريخ او الجغرافيا ( حتى أحيانا أبناء البلد الواحد أو أبناء أحياء في مدينة واحدة يكون لديهم لمحات عنصرية في التعامل أو تمييز وترفع على الأقل) فكل من سواهم مخالف أو عدو ، والعدو مخيف وخطير عادة وخسيس ودنيء فيجب أن يباد ، يمحى من على وجه الأرض ، لا فرق في ذلك بين طفل أو شيخ أو ضعيف ، الجميع أعداء ، والجميع يجب أن يباد ؛ أو على الأقل يتم تمييزه عنهم وتقليل الاختلاط بهم أو فرض قيود عليهم أو معاملتهم باستعلاء أو استغلال
إن العنصرية هي وقود لا ينضب لكل العداوات والإبادات والحروب الطاحنة وهي مسؤولة عن الحروب العالمية كمبرر يسهل عمليات التجاوز الإنساني والفطري والذي يسمح بإبادة الملايين بدم بارد إنه ذلك الشعور الذي يملأ عقول القتلة والمجرمين والذي سابقا أغفى فطرة من أطلق قنابل ماحقة كالقنابل النووية وغيرها فيموت آلاف البشر من الأبرياء ولا يهتز لهم جفن ولا يتردد لهم عقل
العنصرية هي تنتج الجهل والتعصب وتذكي الغضب وتتغذى على كل ذلك من أجل مزيد من الانحطاط الإنساني ..
إنها دائرة مفرغة مجرمة مريضة تتسبب في مشكلات عبر العالم وعبر التاريخ الإنساني ولذا حاربها الأنبياء والمصلحون والعقلاء عبر التاريخ ولذا كذلك يضخمها الشيطان وأعوانه عبر التاريخ حتى إنك لا تجد حالة شيطانية تغوي البشرية تفوق العنصرية يتحقق بها الإبادات وتضيع بها شعوب وتبرر كل اساءات فما أسعد الشيطان بها ..
ومنذ أن استكبر إبليس عن أن يسجد لآدم بسبب عنصري وهو ادعاء أنه خير منه وافترض-دون دليل- أن ما خلق من نار أولى بالتكريم ودفعه ذلك لكل جرائمه وتعصباته وعصيانه وغواياته
من ثم استمر المرض يسري في الإنس والجن ويأخذ أشكالا من التعصب تخفت أحيانا وتشتعل أحيانا
فالعنصرية أحد أوجه الصراع بين الحق والباطل وبين الخير والشر وبين العلم والجهل
وكل ذلك بدأ بفكرة عنصرية شيطانية تفاقمت وأخذت مسارها في الاستكبار إما دينية وإما عرقية
الفصل الأول : تعريفات وتمهيد ونماذج
تعريف العنصرية والمصطلحات المستخدمة في هذا الكتاب:
قال في المعجم الوسيط:
العنصر لغة : الأصل والحسب ، يقال: فلان كريم العنصر والجنس.
ويقال : فلان من العنصر الآري أو السامي
العرق: أصل كل شيء ، يقال أدركته أعراق صدق أو سوء
العنصرية اصطلاحا : تعقب المرء أو الجماعة للجنس
أي إلحاق الأذى بالغير لمجرد انتمائه إلى جنس من غير جرم ارتكبوه
العنصرية: هي تعصب المرء أو الجماعة لجنس معين فهي قائمة على ادِّعاء أنَّ بعض الأجناس والأعراق والسلالات البشرية أفضل من غيرها وأعلى مرتبة في إنسانيتها من غيرها بادِّعاء صفات تسوغ لهم هذا الادِّعاء وما يترتب عليه من سلوكيات عدائية أو إقصائية أو ازدرائية بسبب فوارق غير متصلة بإنسانية البشر. والتعصب: هو رأي سلبي يتخذه الإنسان تجاه فئة من الناس باعتبار صفة خلقية فيهم، يؤدي به إلى التمييز والتحيَّز، ثم افتراض معاملة مختلفة وفق انتمائهم وصفاتهم،
وفي باب (جنس) يقول المعجم الوسيط:
الجنس : الأصل والنوع وفي اصطلاح المنطقين وما يدل على كثيرين مختلفين بالأنواع : فهو أعم من النوع ، فالحيوان جنس والإنسان نوع.
الجنسية : الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو أمة .
الآري: جنس تجمعه الخصائص اللغوية والجنسية ، بعضه في الهند وإيران وبعضه في أوربا.
الآرية: خصائص الجنس الآري.
التمييز : العزل والفرز – ماز الشيء – ميزاً عزله وفرزه.
قال تعالى (ليميز الله الخبيث من الطيب) الرعد (كذا في المصدر والآية هي الأنفال37)
الأمم المتحدة والتمييز العنصري
– في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(UDHR) الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948م. يقر بأنه لكي يعامل الناس بكرامة، فإنهم يحتاجون إلى حقوق اقتصادية وحقوق اجتماعية والتي من ضمنها التعليم والحق في المشاركة الثقافية والسياسية والحرية المدنية.
وينص كذلك على أن لكل فرد الحق في هذه الحقوق «دون تمييز من أي نوع كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الملكية أو المولد أو أي وضع آخر .
– لا تُعرّف الأمم المتحدة «العنصرية». ومع ذلك، فإنها تُعرف «التمييز العنصري».
وذلك وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة الدولية لعام 1965م بشأن القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري
– ويقصد بتعبير «التمييز العنصري» أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثنيويستهدف أو يسُتتبع بتعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، علي قدم المساواة، في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي مجال آخر من مجالات الحياة العامة.
– في إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) لعام 1978م بشأن العرق والتحيز العنصري (المادة 1)، تنص الأمم المتحدة على أن «جميع البشر ينتمون إلى نوع واحد وينحدرون من سلالة مشتركة. متساوون في الكرامة والحقوق ويشكلون جميعًا جزءًا لا يتجزأ من الإنسانية»
مفاتيح العنصرية عبر التاريخ
الاستكبار والجهل والغرور وعدم تفهم الاختلافات البشرية؛ والأمن من عقاب الله تعالى ومن عقاب القوانين ومن مؤاخذات الساسة والمتحكمين هي مفاتيح العنصرية ومشعلات أوارها ؛تحت أي مبرر من التميز العرقي أو الديني ، كما أن التواضع والرأفة والرحمة والتكافل والتفاهم وتقدير الاختلافات الطبيعية والفروق الثقافية والإثنية واتساع الأفق الإنساني وتبادل الثقافات والخوف من عقاب الله تعالى ومن حزم الحكام والقوانين في علاج الظاهرة هي مفاتيح علاج العنصرية
قديما عبر التاريخ تبنى المشركون – كذلك – نظريات مجحفة تنسب لهم نسبا إلهيا وهي عنصرية دينية كبرى تتجاوز التعصب الديني ذاته وتمنحهم نقاط تميز على غيرهم ، وبذا تكون هناك مبررات لأي سلوك فيه تمييز ويبرر هذا كل عمليات الاستعلاء في التعامل والتمييز في الحقوق وتعني كذلك سحق المخالفين أو المختلفين معهم
نمرود ينسب لنفسه القدرة على الإحياء والإماتة حين يأمر بالقتل أو الإبقاء ويراها من مطلق حقوقه وقدرته
وفرعون قال سابقا (ما علمت لكم من إله غيري) القصص 24
وقال (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) غافر 29
وقد كانت الطبقات الاجتماعية في مصر الفرعونية تنقسم إلى
الطبقة الأولى:
الفرعون وأسرته.
الطبقة الثانية:
الوزير وكبار الكهنة وحكام الاقاليم.
الطبقة الثالثة:
الموظفين و الفنانين والحرفيين والمهرة.
الطبقة الرابعة:
عمال الزراعة و الصناعة و الرعاه و الخدم و صغار أصحاب الحرف المختلفة.
وعلى ذلك فكل طبقة تتحكم في كل ما يليها ولا يحدث العكس ولا يرتقي شخص بشكل تلقائي لطبقة أعلى وتلك مبررات تمييزية تفضي إلى العنصرية
والإمبراطور الياباني هو ظل إلهي ويطلق عليه اسم (تينُّو) وتعني حرفيا «سيادة السماء» ويشار إليه رسميا باسم ميكادو هو إمبراطور دولة اليابان، وقائد الدولة، وعميد العائلة الإمبراطورية اليابانية، كما أنه أعلى سلطة لديانة الشينتو، ويعتبر بحسب تعريف الدستور الياباني الحديث على أنه “رمز للدولة ولوحدة الشعب” فحين يسند تلك الألقاب لشخص فإن هذا سبيل للمعاملة المميزة ولعداء كل من يخاله
ويشبه هذا الطغاة من البشر والملوك والحكام وأتباعهم عبر التاريخ
العنصرية الدينية
وتسرب الأمر كذلك لأتباع الأفكار والديانات ورأوا في انتسابهم للدين نفسه مرتبة تؤهلهم ليكونوا سادة الناس وشعب الله المختار وبغض النظر عن عطاء غيرهم أو غنائهم أو قدراتهم أو صلاحهم وصدقهم أو عن إعمال قيم العدل والإنصاف والمسااوة والرحمة
وهذا نراه أيضا في أهل الكتابين قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.. ) [ المائدة: 18]
وهذا المنطق خلف فكرا عنصريا دينيا انطلقت منه كل جرائم الإبادة العرقية كمثل ما حدث في محاكم التفتيش النصرانية ضد من ليس منهم من اليهود والمسلمين أو في الحروب الصليبية التي أسالت الدماء أنهارا بين المدنيين والحجاج وغيرهم أو ما يفعله اليهود بغيرهم إلى الآن أو ما انبثق عنهم من الأفكار التلمودية والصهيونية ؛ فهم يتعاملون مع أشخاص يرونهم أدنى منهم عقلا ومرتبة ودينا ولا محاسبة عليهم فيما يقعلونهم به من جرائم أو ما يلحقونهم به من أذى
الحاكم في الإسلام
قارن هذا سريعا بحكام المسلمين أو بنظرة الإسلام للحاكم تجد فرقا تاريخيا جوهريا
قال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (110: الكهف)
فهو بشر؛ ولا يتجاوز أنه بشر؛ ولكن اختص من بينهم بأنه يوحى إليه وأما خلفاؤه فكان نبراسهم ما قاله الصديق لما بويع بالخلافة ، فخطب في الناس خطبة اشتملت على أصول الولاية العامة في الإسلام، وعلى إثره ترسخ الأمر من بعده وهذا نص الخطبة:
(يا أيُّها الناس، قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدوني. أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم. ألا إنَّ أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحقَّ له، وأضعفكم عندي القويُّ حتى آخذ الحقَّ منه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم).
وفي رواية أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.
فشخص الحاكم في الإسلام لا يعدو كونه بشرا له ما للبشر من خصائص وحقوق وواجبات ولذا فهو من الأمة وللأمة
دعنا نضرب مثلا مما كان من شأن التعامل مع الحاكم بمساواته بعامة الشعب – بخلاف ما هو شائع من سير النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه – مثلا عكسيا بجبلة بن الأيهم الغساني ملك نصارى العرب الذي جاء مسلما ثم لطم إعرابيا داس طرف ثوبه فطلبوه للاقتصاص منه فأبى وارتد وهو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحاروكان ذو ملك ونسب يمتد للأوس والخزرج .
قال الواقدي: شهد اليرموك مع الروم أيام عمر بن الخطاب ثم أسلم بعد ذلك في أيام عمر، فاتفق أنه وطئ رداء رجل من مزينة بدمشق، فلطمه ذلك المزني، فدفعه أصحاب جبلة إلى أبي عبيدة فقالوا: هذا لطم جبلة.
قال أبو عبيدة: فيلطمه جبلة.
فقالوا: أو ما يقتل؟.
قال: لا!.
قالوا: فما تقطع يده؟.
قال: لا، إنما أمر الله بالقود.
فقال جبلة: أترون أني جاعل وجهي بدلا لوجه مازني جاء من ناحية المدينة؟ بئس الدين هذا.
ثم ارتد نصرانيا، وترحل بأهله حتى دخل أرض الروم
فلم يجاملوه وإنما أخذوا الحق للضعيف ولم يعبؤوا أن ارتد عن الإسلام بسبب هذا لأنهم غلبوا المبادئ على المصالح
طبقية الديانات الوثنية
وحتى الديانات الوثنية بها طبقية وليست فقط لطبقة الكهنوت الديني بل لطبقات اجتماعية وكل هذا تقنين وترسيخ للتمييز والعنصرية كالتي في الهندوسية تجعل الطبقات الدنيا خدما للطبقات العليا مهما بلغت مواهبهم ولا يصح زواج من هم بالطبقة الدنيا بمن هم أعلى طبقة وهذا كله أنتج عنصرية في التعامل والقوانين والحقوق
فالنظام الطبقي في الهند هو نظام تقسيم اجتماعي ذو جذور قديمة، – وقد نظمها ورسخها الاستعمار البريطاني فتأمل هذا – فعززته حكومة التاج البريطاني، التي جعلت من التنظيم الطبقي الصارم آلية أساسية للنظام الإداري[2].
ينقسم الناس في هذا النظام حسب الطبقة (فارنا) والفئة (جاتي)
الطبقة (فارنا): وتشير إلى الطبقات الاجتماعية الأربع التي وُجدت في المجتمع الفيدي، وهي البرهمن والكشاتريا والفايشيا والسودرا. وقد استُبعدت كليةً من نظام الفارنا طائفة تعرف باسم الداليت، وهي طائفة ما زالت تعامل حاليًا معاملة المنبوذين.
الفئة (جاتي): وتشير إلى الأصل. وقد تطورت الفئات في العصور ما بعد الفيدية، وذلك فيما يبدو بتبلور روابط أبناء المهنة الواحدة أثناء الحقبة الإقطاعية
قسم البريطانيون الهنود في الفترة بين عامي 1860 و1920 حسب طبقاتهم، مانحين الوظائف الإدارية والمناصب الرفيعة فقط لأولئك الذين ينتمون إلى الطبقات العليا. غير أن القلاقل الاجتماعية التي وقعت في عشرينيات القرن العشرين أجبرت البريطانيين على تغيير هذه السياسة واتباع سياسة التمييز الإيجابي بتخصيص نسبة معينة من وظائف الحكومة لأبناء الطبقات الدنيا.
الغريب أنه بعد استقلال الهند، صار تقسيم الوظائف على أساس الطبقة أمرًا رسميًا حسب قوائم رسمية تُدرج فيها الطبقات والقبائل المختلفة. وقد فعلت الهند منذ سنة 1950 عدة قوانين ومبادرات اجتماعية لحماية وتعزيز الظروف الاجتماعية لأبناء الطبقات الدنيا. وقد قضت المحكمة العليا الهندية بأن يكون تقسيم الأنصبة عند القبول في الكليات والجامعات والوظائف وغيرها على أساس الوراثة، ولا يُسمح بانتقال تصنيف الفرد من طبقة إلى أخرى.
وتجرم المادة 15 من الدستور الهندي التمييز ضد الطبقات الدنيا، ورغم ذلك تقع أعمال عنف بين الحين والآخر ضد طائفة المنبوذين
المذاهب الأرضية والأيديولوجيات
وفي المذاهب الأرضية والثورات والحركات تتواجد العنصرية بصورة أو بأخرى حتى أنه قتل ملايين من البشر إبان الثورتين الأمريكية والفرنسية وكان القتل على شبهات الانتماء للجهات الأخرى شيئا عاديا وبدون قواعد ولا حساب هذا
فضلا عن قتل أفراد بشبهات مثل ممارسة السحر أو التدين المخالف لوجهة نظر الحاكم أو نظامه وكم قتل بسبب ذلك من مئات أو آلاف دون تحقق بله دون مبرر صحيح وجرائم مستحقة
المنهج الأتاتوركي
إن أتباع المنهج الأتاتوركي – مثلا – في دولة تركيا يعاملون غيرهم من مواطنيهم على أنهم (درجة ثانية) في الدولة وهو الأمر الذي عبر عنه لاحقا الرئيس رجب طيب أردوغان بأن هناك ( أتراك بيض وأتراك سود ) وبقصد نظرة الأتاتوركيين والمتغربين نظرة احتقار لغيرهم وما ضخوه في أنفسهم من استعلاء على المتدينين رغم أنهم أبناء نفس الوطن فما بالك بنظرتهم تجاه غير الأتراك وبذا نفهم بعض صور العنصرية في تركيا وهو ما تزكيه أيضا المناهج الدراسية والتاريخية بدعوى العداء والخيانات العربية المزعومة للأتراك ؛وكذلك اختلاف الصوفية في البلد عن تدين العرب السني تعطي صورة أخرى من الاختلاف المذكي للتمييز او الاستعلاء وهي مفاتيح العنصرية
الفُرس
وقل مثل ذلك عن النظرة الفارسية للعرب بشكل خاص سواء بالتواري خلف التشيع لمعاداتهم واحتلالهم والسيطرة على بلادهم او باستخدام من يرضخ لهم لصالح الدولة الفارسية الاثنا عشرية التي تنخر في بناء الأمة المسلمة المتهالك أساسا
احتكار الشرف
بل وبصورة مشابهة يروج بعض حكام المسلمين لصورة شرفهم ونسبهم التي تمنحهم الحق في الحكم المطلق وسحق المعارضين
وهناك طوائف في كافة الأديان تحتكر الشرف ومن ثم تعلي مبادئ الاستعلاء والتكبر وهي مداخل التمييز والذي هو الباب الأكبر للعنصرية
حتى إنه يروج للبعض ممن يحملون نسبا شريفا للرسول – سواء بصدق أو بادعاء – أن ذنوبهم مغفورة مهما عملوا وأن لهم حقا مكتسبا في أموال الناس يجب عليهم أن يؤدوه لهم
وهذا بارز وواضح في سلوكيات منحرفة يمارسونها يخالفون بذلك كل تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه !
هذا نوع العنصرية الدينية وهي بالعموم أوسع انتشارا من العنصرية العرقية لاتساع رقعة معتنقي الأديان الكبرى
نظريات التطور والتفوق العلمي
وهناك عنصرية أججتها نظريات – مجرد نظريات – بررت التفرقة بين البشر على أساس التفوق العقلي كنظريات التطور التي ادعت أن البشر متطورين من القرود وهم الذين تطوروا قبل ذلك من كائنات أدنى وصولا للخلايا الأولية التي هي بداية كل الكائنات الحية بزعمهم
وفسرها البعض أن الأجناس البيضاء أكثر تطورا من الأجناس الأخرى كالسود أو الملونين فلا حرج على الأكثر تطورا في أن يجبر الأقل تطورا على ما يريد أو عن أن يمتلك ماله ويعتدي على حقوقه وممتلكاته أو يضعه في أقفاص في حدائق الحيوان (حدث هذا بالفعل ) وتم إلى أجل قريب منح تراخيص لصيد الأفارقة (البوشمن ) كما تصاد الحيوانات
وكان كذلك يمنع دخول السود كما يمنع دخول الكلاب إلى المطاعم كما حدث في أمريكا سابقا؛ فنجد تطبيقا وانعكاسا لتلك العنصرية المتذرعة بالعلم المغلوط – مع أسباب أخرى سياسية واقتصادية شجعت – ما فعله الإنجليز في سكان استراليا والمناطق والجزر المحيطة أو ما قام به الأمريكان والإسبان والفرنسيين واحتلالاتهم وغيرهم في السكان الأصليين في قارتي أمريكا وإفريقيا وكذا في كافة المستعمرات إبادات واعتداءات وسرقات دون رأفة ولا رحمة
الغطاء الأخلاقي والعنصرية
إن باب الشر مفتوح على مصراعيه والمبررات الدينية والنفسية و”العلمية المدعاة” تعطي غطاء (أخلاقيا ) لممارسة العنصرية باسم الدين وباسم نشر الحضارة ومسؤولية الرجل الأبيض الذي لم يدخر جهدا في الإبادات والقتل والاحتلال تحت هذا الغطاء
قال تعالى ( ..كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ، يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقين ) التوبة – 10
لا بد من مبررات عنصرية تؤجج حالة القتل والاعتداء وتبرر الجرائم والإبادة لتمر الجرائم البشعة
التي تعامل الناس من غيرهم من الأعراق أو الأديان كمثل البق يجب التخلص منهم وكأن هذا واجبا أخلاقيا !
العنصرية المكانية
وفي العنصرية العرقية أو المكانية كمثال لذلك ألمانيا النازية وفيها تجد العنصريين : ( أناسا يؤمنون بأن الميزات الفطرية الموروثة تحدد سلوك الإنسان من الناحية البيولوجية. ويؤكد مذهب العنصرية على أن الدماء هي العامل المحدد للهوية العرقية القومية. فكانت العنصرية, بما في ذلك المعاداة العرقية للسامية (التحيز ضد اليهود أو كراهيتهم بناءً على نظريات بيولوجية خاطئة), دائمًا جزءًا لا يتجزأ من الاشتراكية القومية الألمانية (النازية).
وقد نظر النازيون للتاريخ البشري بأكمله على أنه تاريخ من الصراع البيولوجي المحدد بين أشخاص من سلالات مختلفة. وبعد وصول النازيين إلى السلطة, قاموا بوضع قوانين (نورمبرج ) في عام 1935, والتي قدمت تعريفيًا بيولوجيًا افتراضيًا لليهودية.
ووفقًا للنظريات النازية للسلالات، كان الألمان وغيرهم من الأوروبيين الشماليين “آريين”، ويعتبرونه عرقا أعلى مقامًا.
ورغم ادعاء هتلر بإيمانه بالمسيحية فإنه لواها لصالح أفكاره العنصرية فوصف السيد المسيح في كتابه كفاحي بأنه «المقاتل الآري» الذي ناضل ضد «قوة الفريسيين الفاسدين» والمادية اليهودية
وقال كذلك: لا نريد إلهًا آخر غير ألمانيا نفسها. ومن الضروري أن نتحلى بإيمان وأمل وحب يتصفون بالتعصب لألمانيا ولصالح ألمانيا)
ومما لا يعرفه كثيرون فقد أثرت العنصرية الأمركية التي مورست إبان نشأة أمريكا على الأفكار النازية
(وقد أسّست النصوص الأميركية السابقة لنصوص نازية حاسمة أخرى، بما في ذلك الدليل الاشتراكي الوطني للقانون والتشريع لعام (1934-1935) الذي حرره مَن أصبح بعد ذلك الحاكم العام لبولندا، هانز فرانك، والذي شنق في وقت لاحق في نورمبرغ. وخصّصت “توصيات هربرت كيير لتشريعات العِرْق” ربع صفحاتها لتشريعات الولايات المتحدة التي تجاوزت الفصل العنصري لتشمل قواعد تحكم الهنود الأميركيين ومعايير المواطنة للفلبينيين والبورتوريكيين وكذلك الأميركيين من أصل أفريقي، وتنظيمات الهجرة، وحظر الاختلاط العِرْقي في حوالي 30 ولاية. ولا يمتلك بلد آخر، ولا حتى جنوب أفريقيا، مجموعة متطورة نسبيا من القوانين المماثلة.
العِرق الأميركي
كانت كتابات المحامي الألماني هاينريش كريجر مميزة للغاية، وهو “أكبر رموز المحاكاة النازية لقانون العِرْق الأميركي”، والذي أمضى العام الدراسي (1933-1934) في فايتفيل كطالب تبادل في كلية الحقوق بجامعة أركنساس. وسعيا إلى نشر المعرفة التاريخية والقانونية في خدمة النقاء العِرْقي الآري درس كريجر مجموعة من أنظمة العِرْق في الخارج، بما في ذلك جنوب أفريقيا المعاصرة، لكنه اكتشف أساسه في القانون الأميركي.
وبدأت كتاباته المتعمقة عن الولايات المتحدة بمقالات في عام 1934، بعضها يتعلق بالهنود الأميركيين وغيرها تسعى إلى تقييم شامل لتشريعات العِرْق الأميركية، كل منها مقدمة لكتابه التاريخي 1936 “Das Rassenrecht in den Vereingten Staaten” (قانون العِرْق في الولايات المتحدة الأميركية). والدليل الدامغ الذي قدمه ويتمان هو نسخة مكتوبة لتسجيل مؤتمر 5 (يونيو/حزيران) 1934 الذي تجمّع فيه كبار المحامين الألمانيين لتبادل الأفكار عن الطريقة المثلى ليعمل نظام عنصري.
ويعكس التسجيل كيف انجذب الأكثر تطرفا بينهم -الذين اعتمدوا على منح كريجر سينوبتيك الدراسية- تحديدا إلى القوانين الأميركية على أسس تفوّق العِرْق الأبيض)
الجنس الآري
وأثناء الحرب العالمية الثانية أجرى الأطباء النازيون تجارب طبية زائفة تهدف للوصول إلى الدليل المادي على سيادة الجنس الآري وانحطاط الأجناس الأخرى غير الآرية.
وعلى الرغم من قتل أعداد لا تحصى من المسجونين غير الآريين أثناء تلك التجارب، فلم يتمكن النازيون من العثور على أي دليل على نظرياتهم حول الاختلافات العرقية البيولوجية بين البشر.
ترتب على العنصرية النازية جرائم قتل على نطاق غير مسبوق.
وأثناء الحرب العالمية الثانية، بدأت القيادة النازية ما أشارت إليه بـ “التطهير العرقي” في الأراضي الشرقية المحتلة في بولندا والاتحاد السوفيتي. وتضمنت هذه السياسة قتل وإبادة ما يطلق عليه “سلالات” العدو، بما في ذلك الإبادة الجماعية لليهود في أوروبا وتدمير قيادة الشعوب السلافية. وقد اعتبر العنصريون النازيون المرض العقلي والجسدي خطرًا بيولوجيًا على نقاء الجنس الآري. وبعد التخطيط الحذر, بدأ الأطباء الألمان في قتل النزلاء المعاقين بالمصحات بجميع أنحاء ألمانيا في عملية أطلقوا عليها التعبير الملطف “القتل الرحيم.”