استقلال أوروبا

حسين ابو سبيع

مسألة وقوع أوروبا تحت الهيمنة الأمريكية هذه مقولة تحتاج لبعض التفصيل،
فالفارق كبير بين أن تكون أوروبا هي حائط الصد الأول ضد أي تقدم سوفيتي، وبالتالي تكون المصلحة متبادلة بين أمريكا التي تريد كبح القوة العظمى المنافسة (آنذاك) وأوروبا التي تريد ألا تُضطر للوقوف في وجه أطماع الوحش السوفيتي وحدها،
وبين أن تكون أوروبا مجرد تابع لأمريكا، وهذه مبالغة ليست في محلها، وهذا تفصيل قولي:

من بعد الحرب العالمية الثانية، أرادت أمريكا أن تبقي أوروبا تحت الهيمنة الكاملة لأمريكا، باعتبار أوروبا كلها ولاية أمريكية إضافية، غير أن هذا لم يتحقق، وكان لمحاولات الاستقلال الأوروبي الجزئي عن أمريكا عدة أشكال، أذكر هنا بعضها.

رفضت أمريكا أن تقوم أي دولة أوروبية بتصنيع سلاح نووي لتحتفظ بالتفوق وقطعت مشاركة انجلترا في مشروع منهاتن ، ولكن انجلترا قررت صنع القنبلة بغض النظر عن رأي أمريكا، بعدها بعدة سنوات، وبعد نجاح انجلترا بالفعل في تصنيع السلاح النووي، قررت أمريكا أن تدخل معها في شراكة في تطوير هذا المشروع، بالدرجة الأولى ليظلوا على علم بآخر تطوراته.

بعدها لحقت فرنسا بانجلترا، وحتى رفضت التعاون مع أمريكا، لتحتفظ باستقلاليتها التامة في استعمال سلاحها النووي.

نبقى مع فرنسا التي رفضت الاستمرار في „الهيكل العسكري المدمج لحلف شمال الأطلسي“ (لا أعرف إن كانت له ترجمة أفضل للعربية!) حتى تحتفظ باستقلالها في القرار بما يخص قوات الناتو على أراضيها.

بل إن فرنسا رفضت انضمام انجلترا للاتحاد الأوروبي (عندما كان ما زال اسمه التجمع الاقتصادي الاوروبي) حتى لا يقع التكامل الاقتصادي بين دول أوروبا إلى اقتصاد واقع تحت الهيمنة الأمريكية عن طريق انجلترا، التي كانت لها علاقات اقتصادية وثيقة مع أمريكا.

اليورو نفسه كان وسيلة أوروبية للتخلص من هيمنة الدولار على الاقتصاد الأوروبي، بحيث أصبح هناك عملة رئيسية للتعامل بين جميع دول الاتحاد الأوروبي، لا تتأثر مباشرة بتقلبات الدولار، وأصبح مع الوقت جزءاً من سلة العملات العالمية التي تحتفظ بها الدول الأجنبية لتقليل مخاطر الدولار.

بعدها أطلق الاتحاد الأوروبي خدمة الأقمار الصناعية „جاليليو“ المماثلة لنظام „جي بي إس“ الأمريكي حتى تضمن أوروبا أنها لن تتحول لقارة عمياء إذا دخلت في خلاف مع أمريكا لأي سبب،
والآن توجد الكثير من برامج التسليح الأوروبي المستقل عن أمريكا، حتى وإن كانت غير ناجحة بالقدر الكافي حتى الآن.

بل حتى ألمانيا، الدولة التي خرجت مهزومة من الحرب العالمية الثانية ومقسومة بين شرق تحت سيطرة السوفيت وغرب تحت سيطرة أمريكا ولا يملك هامشاً من الحرية الاقتصادية والسياسية كبير، استطاعت بالفعل كسر حاجز الجمود بين الألمانيتين في عهد المستشار فيلي براندت، وأجرى بالفعل مذكرات تفاهم واتفاقات اقتصادية مع ألمانيا الشرقية مع الاتحاد السوفيتي!
وكانت ألمانيا هذه في حالة عداء مع إسرائيل (صدق أو لا تصدق، فقبل عهد ميركل كانت علاقة ألمانيا الغربية بإسرائيل زي الزفت!، وتوجد حلقة على القناة توضح تاريخ هذا العداء) حتى مع التعويضات الي دفعتها لإسرائيل عن الهولوكوست!

وهذه أوروبا التي رفضت العقوبات الأمريكية على الدول التي تستقبل الطاقة عن طريق خط الغاز السيبيري عام ١٩٨٢ حتى اضطرت أمريكا لإلغاء العقوبات أصلاً،
وقبل غزو روسيا لأوكرانيا في ٢٠٢٢ تجاهلت أوروبا رفض أمريكا لإنشاء خط نورد ستريم ٢، وتم إنشاء الخط بالفعل، ولكن قامت الحرب قبل أيام من تشغيله، حتى تم تفجيره على يد „مجهولين أوكرانيين!“.

بل حتى في حرب العراق ٢٠٠٣، رفضت ألمانيا وفرنسا المشاركة في هذه الحرب من بدايتها،
وعندما ألغى ترامب الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما مع إيران، كانت الدول الأوروبية – الضامنة لهذا الاتفاق – من أشد المعترضين على إلغائه.

أنا لا أقول بكل هذا أن أوروبا نجحت في الاستقلال التام عن أمريكا،
ولكن أقول أنه بالفعل كان المحرك لكثير من قرارات الاوروبيين هو محاولات الاستقلال عن أمريكا، أولاً لأن هؤلاء الحكام ليسوا عملاء وثانياً لأنهم بالفعل مهتمّون بمصلحة شعوبهم حتى وإن غلبهم الغباء أحياناً والعنصرية أحياناً، ثم إنهم أخيراً يحسبون حساب يوم الانتخابات، حيث ستفضح المعارضة أي تقصير للحكومة، وسيحاسبهم الناخب على آدائهم.

أما في دولنا المنكوبة بحكّامها العملاء، العنصريين على شعوبهم! ، المتنكرين لدينهم وثقافتهم، القائمين بالسلاح على رقاب الناس،
فلا معنى للحديث عن محاولات تطوير أسلحة أو انفكاك من التبعية، فلا حياة لمن تنادي.