روسيا تسعي لإجلاء موظفيها من بوشهر النووية

وسط مخاوف من وقوع حادث إشعاعي كبير

تشهد محطة بوشهر النووية الإيرانية تصاعدًا ملحوظًا في الهجمات الجوية الأمريكية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط، ما دفع روسيا إلى اتخاذ خطوات عاجلة لإجلاء موظفيها العاملين في المحطة، وسط مخاوف من وقوع حادث إشعاعي كبير قد يهدد إيران والمنطقة بأسرها.

وأكدت وكالة الأنباء الروسية أن موسكو ستتقدم بطلب رسمي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل لضمان وقف إطلاق النار أثناء عملية الإجلاء، التي تشمل أكثر من 200 موظف روسي من شركة “روس آتوم”.

تحذيرات الخبراء والمخاطر الإشعاعية

قال رئيس شركة “روس آتوم”، أليكسي ليخاتشيف، إن مسارات إجلاء الموظفين ستبلغ للجانب الأمريكي والإسرائيلي لضمان الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار، مضيفًا أن نحو 50 موظفًا سيبقون في الموقع كمتطوعين لمتابعة العمليات التشغيلية الضرورية. وأكد ليخاتشيف أن السلامة النووية هي الأولوية القصوى، وأن أي تصعيد عسكري على المحطة قد يؤدي إلى كارثة إشعاعية هائلة.

وحذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، من أن تعرض محطة بوشهر لأي ضرر قد يؤدي إلى “حادث إشعاعي كبير”، مؤكدًا أن العواقب ستطال ليس فقط إيران، بل الدول المجاورة والمياه الإقليمية للخليج. وأضاف غروسي أن الحفاظ على سلامة المنشآت النووية خلال النزاعات المسلحة يُعد مسؤولية دولية مشتركة، ويجب أن تُلتزم بها جميع الأطراف.

من جانبه، اعتبر السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيينا، رضا نجفي، الهجمات على محطة بوشهر “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي” و”جريمة حرب”، محذرًا من أن أي تسرّب إشعاعي قد يؤدي إلى تلوث المياه وإجبار السكان على الجلاء القسري، إضافة إلى آثار طويلة الأمد على البيئة والصحة العامة.

التطورات العسكرية والسياسية

على الرغم من تحذيرات المجتمع الدولي، استمر التصعيد العسكري في إيران. ففي أحدث تصريحاته، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشن “ضربة قاسية جدًا” تشمل الجسور ومحطات توليد الطاقة الكهربائية، ملوحًا بأن واشنطن أنجزت معظم أهدافها العسكرية حتى الآن. هذا التهديد

يأتي وسط قلق متزايد لدى موسكو وطهران من التصعيد المحتمل، خصوصًا في ظل استهداف المنشآت الحيوية التي تشمل مفاعل أراك للماء الثقيل ومصنع معالجة اليورانيوم في محافظة يزد.

وفي المقابل، أكد الكرملين، عبر المتحدث دميتري بيسكوف، استعداد روسيا للمساهمة في تسوية النزاع، مشيرًا إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين يواصل اتصالاته مع قادة دول المنطقة لدعم مسار التهدئة والدبلوماسية.

ودعا بوتين إلى تكثيف الجهود السياسية لإنهاء الحرب، في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مؤكدًا أن الحلول الدبلوماسية هي الطريق الأمثل لتجنب كارثة نووية محتملة.

ردود الفعل الدولية

 

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضغوط الدولية تصاعدًا على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف الهجمات على المنشآت النووية المدنية. وقد رحبت بعض الدول الأوروبية والمراقبون الدوليون بالمبادرة الروسية لإجلاء الموظفين، معتبرين أن حماية الأرواح والسلامة النووية يجب أن تكون أولوية قصوى، بغض النظر عن أهداف الحرب العسكرية.

 

ويرى خبراء في الشؤون النووية، مثل الدكتور إيغور كوزنيتسوف من معهد موسكو للطاقة النووية، أن “إجلاء الموظفين الروس خطوة حيوية، لكنها لا تحل المشكلة الجوهرية المتمثلة في استهداف المنشآت المدنية”، مضيفًا أن أي ضرر للبنية التحتية النووية سيؤدي إلى عواقب طويلة الأمد على إيران والمنطقة بأسرها.

كما أشار المحلل العسكري الأمريكي الدكتور جوناثان كيرتس إلى أن “استنزاف المنشآت النووية والتهديدات المتكررة تضع الولايات المتحدة وإسرائيل في موقف حرج، خاصة في ظل انتقادات المجتمع الدولي وزيادة المخاطر الإقليمية”، متوقعًا أن تضطر واشنطن لإعادة تقييم استراتيجيتها العسكرية في المنطقة لتجنب كوارث غير مقصودة.

توقعات المستقبل وأهمية التهدئة

مع استمرار الهجمات، فإن عملية الإجلاء الروسية قد تكون اختبارًا حقيقيًا للقدرة على حماية المنشآت النووية خلال النزاعات المسلحة. وتعتبر محطة بوشهر، الواقعة جنوب إيران على ضفاف الخليج، أول منشأة نووية في البلاد وأحد أطول المشاريع النووية في التاريخ الحديث، حيث استغرق إنشاؤها نحو 35 عامًا من التخطيط إلى التشغيل.

ويؤكد خبراء نوويون أن أي تصعيد إضافي سيضاعف المخاطر على المنطقة، وقد يدفع المجتمع الدولي لتكثيف الضغوط على جميع الأطراف لوقف التصعيد. ويضيفون أن نجاح العملية الروسية في إجلاء الموظفين دون حوادث يمكن أن يكون نموذجًا للعمليات الإنسانية في النزاعات النووية المستقبلية، ويعكس أهمية الحوار والتنسيق الدولي في مثل هذه الأزمات الحساسة.

بالتالي، يبقى العالم أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة تصاعد العنف العسكري في إيران، مع ضمان حماية المنشآت النووية والموظفين المدنيين، وهي مسألة تتطلب تضافر الجهود الدولية والسياسية والدبلوماسية لتجنب كارثة نووية قد تؤثر على الملايين في المنطقة وما بعدها.