العمق الإيراني.. عقدة إسرائيل الكبرى
بعد شهر من القتال والدمار
- السيد التيجاني
- 30 مارس، 2026
- تقارير
- إسرائيل, إيران, استنزاف, العمق الإيراني, الولايات المتحدة, شهر من القتال, طهران
دخلت المواجهة بين إسرائيل وإيران منعطفًا خطيرًا مع مرور شهر كامل على التصعيد، دون أن تنجح أي من القوتين في تحقيق حسم عسكري واضح. فبدلًا من “الضربة القاضية” التي راهنت عليها تل أبيب، وجدت نفسها في قلب حرب طويلة تتآكل فيها القدرات تدريجيًا، بينما تواصل طهران إثبات قدرتها على الصمود والرد.
رهان الحسم السريع يتبخر
في بداية المواجهة، اعتقدت إسرائيل أن تفوقها الجوي والتكنولوجي سيمنحها القدرة على شل القدرات الإيرانية خلال أيام. الضربات الأولى كانت مكثفة واستهدفت مواقع حساسة، في محاولة لإرباك القيادة الإيرانية وإفقادها القدرة على الرد.
لكن هذا الرهان سرعان ما تراجع. فإيران لم تنهَر، بل أعادت ترتيب صفوفها بسرعة، وبدأت في إطلاق موجات متتالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة. هذا التحول كشف أن المعركة لن تكون قصيرة، وأن الحسم السريع لم يعد خيارًا واقعيًا.
يرى الخبير العسكري فايز الدويري أن “إسرائيل أخطأت في تقدير قدرة إيران على امتصاص الضربة الأولى، إذ تعاملت مع خصم يمتلك خبرة طويلة في إدارة الحروب غير المتكافئة”.
العمق الإيراني… عقدة إسرائيل الكبرى
أحد أبرز أسباب فشل إسرائيل في كسر إيران هو العامل الجغرافي. فإيران ليست ساحة قتال تقليدية، بل دولة مترامية الأطراف ذات تضاريس معقدة، ما يجعل استهدافها بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة.
المنشآت العسكرية الإيرانية موزعة بعناية، وبعضها يقع في أعماق الجبال أو تحت الأرض، وهو ما يقلل من فعالية الضربات الجوية. كما أن المسافات الطويلة تفرض تحديات لوجستية على سلاح الجو الإسرائيلي.
في هذا السياق، يوضح الباحث في الشؤون الاستراتيجية عبد الله الجنيد أن “إسرائيل تواجه معضلة جغرافية حقيقية، إذ لا يمكن تحقيق نصر حاسم من الجو فقط دون الدخول في مغامرة برية غير مضمونة النتائج”.
الصواريخ تغيّر قواعد اللعبة
إيران اعتمدت بشكل أساسي على ترسانتها الصاروخية لإعادة التوازن. هذه الصواريخ، التي تُطلق بكثافة وعلى فترات متقاربة، لم تهدف فقط إلى إلحاق الضرر، بل إلى إنهاك الدفاعات الجوية الإسرائيلية.
ورغم أن أنظمة الدفاع مثل “القبة الحديدية” نجحت في اعتراض نسبة كبيرة من الهجمات، فإن بعض الصواريخ تمكنت من اختراقها، محدثة أضرارًا مباشرة وتأثيرًا نفسيًا عميقًا.
يقول الخبير الأمني مايكل نايتس إن “الاستراتيجية الإيرانية قائمة على الإغراق الصاروخي، وهو تكتيك يهدف إلى استنزاف الخصم ماديًا ونفسيًا، وليس فقط تدمير الأهداف”.
الجبهة الداخلية تحت الضغط
على غير المعتاد، أصبحت الجبهة الداخلية في إسرائيل جزءًا أساسيًا من المعركة. صفارات الإنذار المتكررة، واللجوء إلى الملاجئ، وتعطّل الحياة اليومية، كلها عوامل شكلت ضغطًا متزايدًا على الحكومة.
الاقتصاد لم يكن بعيدًا عن التأثير. قطاعات حيوية مثل الطيران والسياحة والصناعة شهدت تراجعًا ملحوظًا، فيما ارتفعت كلفة الحرب بشكل كبير نتيجة الاستخدام المكثف لأنظمة الدفاع الجوي.
في المقابل، واجهت إيران أيضًا ضغوطًا داخلية نتيجة الضربات التي طالت منشآت صناعية ونفطية، إلا أن تأثيرها بقي أقل وضوحًا مقارنة بالضغط المباشر الذي تعيشه المدن الإسرائيلية.
حرب بلا جبهات واضحة
المواجهة الحالية لا تشبه الحروب التقليدية. فهي لا تقتصر على جبهة واحدة، بل تمتد عبر مساحات واسعة وتتكئ على أدوات متنوعة، من الصواريخ إلى الحرب السيبرانية والضغوط الاقتصادية.
هذا النمط من الحروب يجعل من الصعب تحقيق نصر سريع، إذ يعتمد كل طرف على استنزاف الآخر بدلًا من مواجهته بشكل مباشر. كما أن توسيع رقعة التوتر الإقليمي يزيد من تعقيد المشهد ويحد من خيارات التصعيد.
توازن الردع يفرض نفسه
بعد شهر من القتال، يبدو أن الطرفين وصلا إلى نوع من “توازن الردع”. إسرائيل قادرة على توجيه ضربات مؤلمة، لكنها غير قادرة على إنهاء المعركة. وإيران قادرة على الرد وإلحاق الضرر، لكنها لا تسعى إلى حرب شاملة.
هذا التوازن يفسر استمرار التصعيد ضمن حدود محسوبة، حيث يحاول كل طرف تحسين موقعه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بالكامل.
الخسائر: استنزاف متبادل بلا حسم
على مستوى الخسائر، تكبدت إسرائيل أضرارًا اقتصادية بمليارات الدولارات، إضافة إلى خسائر بشرية وضغط غير مسبوق على منظومتها الدفاعية. كما تضررت بعض المنشآت الحيوية نتيجة الضربات الإيرانية.
أما إيران، فقد خسرت جزءًا من بنيتها التحتية العسكرية والصناعية، وتعرضت بعض منشآتها لأضرار كبيرة، فضلًا عن خسائر بشرية. لكنها، في المقابل، حافظت على قدرتها على مواصلة القتال.
إلى أين تتجه الحرب؟
المؤشرات الحالية لا توحي بقرب نهاية الصراع. فكل المعطيات تشير إلى استمرار حرب الاستنزاف، في ظل غياب حل سياسي واضح أو رغبة حقيقية في التصعيد الشامل.
يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيدًا محسوبًا أو محاولات لفرض تسويات غير مباشرة، لكن دون تغيير جذري في ميزان القوى.
في النهاية، أثبت هذا الشهر أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم الصراعات المعقدة. فبين إسرائيل وإيران، تتداخل الجغرافيا مع السياسة، والتكتيك مع الاستراتيجية، لتنتج حربًا طويلة عنوانها الأبرز: لا غالب… ولا مغلوب حتى الآن.