جملة من أخلاق نبينا وصفاته
د. ياسر عبد التواب يكتب
- dr-naga
- 22 مارس، 2026
- رأي وتحليلات
- أخلاق نبينا وصفاته, د. ياسر عبد التواب
نتذكر أنه كان من قديم لقبه الصادق الأمين وعضد ذلك سلوكه العام في الحياة وحتى في تجارته حين مارسها وبيعه وشرائه وحين ملك رقيقا كزيد بن حارثه وناله من جميل خصاله ومودته آثره زيد على العودة مع أبيه رغم عرض رسولنا عليه أن يطلقه دون عوض وكافأه بعدها فتبناه، وكل خدمه قبل وبعد الإسلام نالهم من هذا الود والرفق حتى قال أنس لم يقل لي يوما لشيء فعلته لم فعلت كذا ولا لشيء تركته لم تركت كذا وكان من خصاله أنه (يصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويغيث الملهوف ويعين على نوائب الحق ) فتراه لطيف الكلام لين العريكة إن ناديته قال لبيك وأن تكلمت معه أصغى إليك وإن طلبت منه شيئا لا يردك حتى لو أثقلت عليه، وإن لجأت إليه أغاثك وإن استعنته أعانك وإن سألته أعطاك وإن منته مانك، وإن جُهل عنده أو جهل عليه صبر وغفر، وإن أعطي شكر، وإن مَنح أغنى فيعطي عطاء من لا يخشى الفقر كما قال ذلك إعرابي نال من عطاياه غنما بين جبلين، وإن قدر عفا وموقفه مع أهل مكة بعد الفتح الذين حصروه في شعاب مكة وشعب أبي طالب هو وكل المؤمنين والمتعاطفين دون مأوى ولا طعام وبعدها عذبوهم و قاتلوهم وحين قدر عليهم قال لهم ما تظنون أني فاعل بكم قالوا: خير ا.. أخ كريم وابن أخ كريم.. قال اذهبوا فأنتم الطلقاء..
ومثله مع بني عمومته الذين جاءوه معتذرين بعد جفاء طال وعزوف وعناد وتواطئ مع الأعداء فنصحهم علي رضي الله عنه بأن يقولوا له: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين فرد عليهم برد يوسف عليه السلام: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.. فلم يكن بأقل من عفو يوسف كما توقع علي، ورغم هذا الرفق واللين كان حازما لا تخدعه الوعود الكاذبة كما عاقب أبا عزة الجمحي الذي عفا عنه واشترط عليه ألا يكون مع قوم يحاربونه فوجده لاحقا وقد جيء به فأمر بضرب عنقه وقال لا تمسح عارضيك بمكة وتقول خدعت محمدا مرتين، وكان صلى عليه وسلم حكيما يضع الشيء في موضعه ويعرف أقدار الناس ومواهبهم مهما خمل ذكرهم أو صغر سنهم ويظهر هذا من استخلافه وتأميره للجيوش ولمن يحكم أو يكون على أعمال عامة كالزكاة أو التعليم أو الدعوة
وإن هبته هون عليك كما هابه رجل فقال له هون عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة، وإن وفدت عليه أكرمك وقد كان يكرم الوفود وأوصى بذلك بعد وفاته، ليس ببخيل ولا صخاب، بل متواضع كريم يجلس على الأرض ويكلم من أراده وليس على بيته حاجب ويدخل مكة فاتحا متواضعا ساجدا على ناقته فلا يفخر ولا يبطر، وهو ذاكر لربه خاشع له عامل في سبيله، وإن اعتذرت إليه قبلك حتى عفا عمن أساء إليه وسبه وكذبه بل ومن قتل أصحابه وأحباءه ثم جاءوه تائبين
ومدحه بهذا الخلق العظيم من ربه تعالى يدلنا كم هي عظيمة أخلاقه لتستحق المدح من ربه تعالى بأكثر مما مدح أنبياءه ومنهم خليله إبراهيم
كما تدل كذلك على أصالة تلك الأخلاق وكونها متأصلة فيه خالطت مشاش نفسه الكريمة فليست شيئا مكتسبا بل فطرة سليمة وسليقة قويمة ركزها ربه تعالى فيه
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَا دَعَاهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا قَالَ: “لَبَّيْكَ” وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ – {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
دعنا نتأمل فيما ذكره الإمام ابن القيم في زاد المعاد عن بعض أخلاقه الكريمة وقد اقتطفته من مواضع فيه:
– كان هديه صلى الله عليه وسلم وسيرته في الطعام لا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم ( «وما عاب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه)
– كان معظم مطعمه يوضع على الأرض في السفرة وهي كانت مائدته،
-كان صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح، ويشهد له بذلك أعداؤه.
-وكان كثيرا ما يعيد الكلام ثلاثا ليعقل عنه
– وكان طويل السكوت لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلام، فصل لا فضول ولا تقصير، وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا كره الشيء عرف في وجهه، ولم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا. وكان جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه.
وكان يضحك مما يضحك منه، وهو مما يتعجب من مثله ويستغرب وقوعه ويستندر
– أما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال مصاحب للخوف والخشية.
ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له
وقال:
تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون
وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض، وبكى لما مات عثمان بن مظعون
وبكى لما قرأ عليه ابن مسعود سورة النساء وانتهى فيها إلى قوله تعالى
: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}
[النساء: 41]
–
– وكان أحسن الناس معاملة. وكان إذا استسلف سلفا قضى خيرا منه
. («وكان إذا استسلف من رجل سلفا قضاه إياه ودعا له فقال: بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء
– واقترض بعيرا فجاء صاحبه يتقاضاه فأغلظ للنبي صلى الله عليه وسلم فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا»)
– وباعه يهودي بيعا إلى أجل فجاءه قبل الأجل يتقاضاه ثمنه فقال: لم يحل الأجل،
فقال إنكم لمطل يا بني عبد المطلب، فهم به أصحابه فنهاهم فلم يزده ذلك إلا حلما،
فقال اليهودي
كل شيء منه قد عرفته من علامات النبوة وبقيت واحدة وهي أنه لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما فأردت أن أعرفها فأسلم اليهودي
– وكان في السفر ساقة أصحابه يزجي الضعيف ويردفه ويدعو لهم، ذكره أبو داود.
-كان يجلس على الأرض وعلى الحصير والبساط،
وقالت قيلة بنت مخرمة: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق». ولما قدم عليه عدي بن حاتم دعاه إلى منزله، فألقت إليه الجارية وسادة يجلس عليها فجعلها بينه وبين عدي وجلس على الأرض
(فعرفت أنه ليس بملك قال عدي:
– وكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخففه
– عن أبي بكرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، («كان إذا أتاه أمر يسره، خر لله ساجدا شكرا لله تعالى»).
وذكر ابن ماجه، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم
(«بشر بحاجة، فخر لله ساجدا»)
-كان يقترض الشيء فيرد أكثر منه وأفضل وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها أو بأضعافها، تلطفا وتنوعا في ضروب الصدقة والإحسان بكل ممكن، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، فيخرج ما عنده، ويأمر بالصدقة، ويحض عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل الشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان من خالطه وصحبه ورأى هديه لا يملك نفسه من السماحة والندى.
– روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح
وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قالوا:
الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» ) قال.
– ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي هريرة: أن أفضل الإسلام وخيره إطعام الطعام، وأن تقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف
– وفيهما أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإفشاء السلام، وأخبرهم أنهم إذا أفشوا السلام بينهم تحابوا، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا، ولا يؤمنون حتى يتحابوا.
– وكان إذا دخل على أهله بالليل، يسلم تسليما لا يوقظ النائم. ويسمع اليقظان
، ذكره مسلم.
– «وكان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول
: السلام عليكم، السلام عليكم
– «وكان يسلم بنفسه على من يواجهه، ويحمل السلام لمن يريد السلام عليه من الغائبين عنه، ويتحمل السلام لمن يبلغه إليه..) انتهى من تطواف لكتاب ابن القيم»)