المسلمون في بريطانيا.. القوة الديموغرافية التي تقود قاطرة الاقتصاد
ثروة بريطانيا البشرية
- dr-naga
- 21 مارس، 2026
- اقتصاد الرائد, تقارير
- اقتصاد بريطانيا, العائد الديموغرافي, بريطانيا, ثروة بريطانيا البشرية, مسلمي بريطانيا
خلف الواجهة الاقتصادية التقليدية للمملكة المتحدة، تنمو قوة اقتصادية شابة ونابضة بالحياة؛ فالمجتمع المسلم في بريطانيا لم يعد مجرد نسيج اجتماعي، بل بات ركيزة استراتيجية في معادلة الازدهار الوطني، بمساهمة إجمالية تجاوزت حاجز الـ 70 مليار جنيه إسترليني سنوياً وفقاً لأحدث البيانات الاقتصادية .
كشف تقرير حديث عن مجلس مسلمي بريطانيا،أن نحو 50% من المسلمين في بريطانيا وُلدوا داخل البلاد، فيما تقل أعمار 46% منهم عن 24 عامًا. وتمثل هذه التركيبة ما يُعرف بـ”العائد الديموغرافي”، حيث تسهم الفئات الشابة في تعزيز الإنتاجية، وتوسيع قاعدة القوى العاملة، ودعم الابتكار وريادة الأعمال.
تتجلى القوة الشرائية للمسلمين في مواسم محددة مثل شهر رمضان، حيث يُقدر “اقتصاد رمضان” بنحو 1.3 مليار جنيه إسترليني، وهو رقم يتصاعد سنوياً مع تزايد الطلب على السلع والخدمات المتوافقة مع الشريعة، مما ينعش قطاع التجزئة والخدمات اللوجستية في عموم البلاد.
المفارقة المدهشة تكمن في “القطاع الثالث” أو العمل الخيري؛ حيث يُصنف المسلمون كأكثر الفئات تبرعاً في بريطانيا، بمبالغ تتراوح بين 1.8 إلى 2.2 مليار جنيه إسترليني سنوياً. هذه التبرعات لا تدعم القضايا الإنسانية فحسب، بل تخفف من الضغط على الميزانية العامة من خلال تمويل مشاريع الرعاية الاجتماعية والتطوعية التي تُقدر قيمتها المضافة بـ 622 مليون جنيه إسترليني.
لا يمكن الحديث عن اقتصاد بريطانيا دون ذكر “التمويل الإسلامي”، حيث نجحت لندن في التحول إلى عاصمة عالمية لهذا القطاع خارج العالم الإسلامي. وتدير البنوك الإسلامية في المملكة المتحدة أصولاً تُقدر بنحو 7.5 مليار جنيه إسترليني، مستحوذة على 85% من حصة هذا السوق في أوروبا، مما يعزز جاذبية بريطانيا للاستثمارات الدولية العابرة للقارات.
تُشكل الشركات المملوكة لمسلمين القلب النابض للعديد من المدن البريطانية؛ فمن المتاجر الصغيرة في الأحياء إلى شركات التكنولوجيا الكبرى، تضخ هذه المشاريع ما بين 16 إلى 25 مليار جنيه إسترليني في الناتج المحلي. وفي العاصمة لندن وحدها، تساهم هذه الشركات في خلق أكثر من 70 ألف وظيفة،مما يخفف من أعباء البطالة ويدفع عجلة الإنتاج.
بعيداً عن لغة التجارة، يبرز المسلمون كقوة بشرية لا غنى عنها في القطاعات الحيوية. ففي هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS)، يشغل أكثر من 46 ألف موظف مسلم أدواراً محورية، بينما تساهم القوة العاملة المسلمة بشكل عام بنحو 42 مليار جنيه إسترليني من إجمالي الدخل القومي، مدعومة بطفرة تعليمية جعلت ثلث المجتمع المسلم في بريطانيا من حملة الشهادات الجامعية العليا.
ويُنظر إلى هذه المعطيات على أنها فرصة حقيقية لدفع عجلة الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل حاجة بريطانيا إلى قوى عاملة شابة لمواجهة تحديات الشيخوخة السكانية.
ولا تقتصر مساهمة المسلمين على المشاركة في سوق العمل، بل تمتد إلى العمل الخيري والاقتصاد المجتمعي، إذ تتجاوز قيمة التبرعات السنوية للمسلمين 2.2 مليار باوند.
وتسهم هذه الأموال في دعم مشاريع إنسانية وخدمية داخل بريطانيا وخارجها، ما يعزز من دور المجتمع في دعم الاستقرار الاجتماعي.
كما يشهد المجتمع المسلم حضورًا متزايدًا في قطاعات الأعمال الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى تنامي دور الشباب في مجالات التعليم والتكنولوجيا والخدمات.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يشير التقرير إلى وجود عقبات تحدّ من الاستفادة الكاملة من هذا العائد الديموغرافي، من بينها استمرار الفجوات الاقتصادية، وارتفاع معدلات الفقر في بعض الفئات، إلى جانب التمييز في سوق العمل.
الإسلاموفوبيا
كما تلقي الإسلاموفوبيا بظلالها على فرص الاندماج المهني، في وقت تواجه فيه بعض المؤسسات الإسلامية تحديات تتعلق بالتمويل والتدقيق المصرفي، ما يؤثر على قدرتها في دعم المبادرات المجتمعية.
الشباب المسلم
ويشدد التقرير على أهمية توجيه الاستثمارات نحو الشباب المسلم، من خلال تطوير برامج تعليمية ومهنية، وتعزيز فرص التدريب والتوظيف، إلى جانب دعم ريادة الأعمال.
كما يدعو إلى إنشاء صناديق تمويل وطنية تستهدف الفئات الشابة، وتوفير بيئة داعمة تمكّنهم من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد.
ويرى التقرير أن تحقيق الاستفادة القصوى من العائد الديموغرافي يتطلب تبني سياسات أكثر شمولًا، تعالج قضايا التمييز، وتعزز تكافؤ الفرص، وتدعم التمثيل العادل في مختلف القطاعات.
دور الإعلام
كما يؤكد على أهمية دور الإعلام والمؤسسات في تغيير الصورة النمطية، بما يسهم في تعزيز الثقة وفتح المجال أمام مشاركة أوسع للمسلمين في الحياة الاقتصادية.
إن مساهمة مسلمي بريطانيا لم تعد تقتصر على الأدوار التقليدية، بل تحولت إلى “شريك استراتيجي” في بناء مستقبل اقتصادي مستدام. ومع تزايد فئة الشباب المتعلم والطموح، يبدو أن الرقم “70 مليار جنيه” ليس إلا بداية لفصل جديد من فصول الازدهار البريطاني.