مجلس الأمن والأحداث الحالية
تقادم الخطيب يكتب
- dr-naga
- 12 مارس، 2026
- رأي وتحليلات
- إيران, الأحداث الحالية, دول الخليج, مجلس الأمن
بغض النظر عن موقفي الداعم لعدد من دول الخليج ماعدا نظام الإمارات، فإن قرار مجلس الأمن اليوم بإدانة هجمات إيران على دول الخليج يُراد منه إعطاء شرعية للحرب غير الشرعية الدائرة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، ويبدو أن هذا قد يكون مقدمة لتشكيل تحالف دولي ضد إيران. لكن في وجهة نظري فإن النظام الدولي لم يعد كما كان من قبل، ولم تعد شرعية مجلس الأمن كما كانت.
فمجلس الأمن الذي امتنع عن إدانة الإبادة ضد الفلسطينيين، وظل متمسكًا بحق إسرائيل في “الدفاع عن النفس”، لم يعد يمتلك القوة الأخلاقية التي تخوله فرض قراراته على الآخرين. مجلس الأمن الذي لم يقم بإدانة الهجوم غير الشرعي على إيران، يعني عمليًا سقوط شرعية القانون الدولي، وهو القانون الذي لم يتم احترامه في حالات عديدة؛ سواء في خطف رئيس دولة كما حدث مع فنزويلا، أو في الهجوم على دولة ذات سيادة، أو في الصمت تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في لبنان.
ولعل هذا الأمر له سوابق كثيرة في التاريخ. فخلال الصراع العربي/الإسرائيلي، وعلى رأسه الحرب المصرية الإسرائيلية، لم يكن مجلس الأمن دائمًا مؤسسة محايدة بقدر ما كان انعكاسًا لموازين القوى الدولية. فقراراته غالبًا ما كانت تُفسَّر وتُطبَّق وفق مصالح الدول الكبرى، وليس وفق معايير قانونية ثابتة. وهذا ما جعل كثيرًا من دول العالم الثالث تنظر إلى النظام الدولي باعتباره نظامًا انتقائيًا، يطبق القانون على الضعفاء ويتجاهله عندما يتعلق الأمر بحلفاء القوى الكبرى.
إن الأزمة الحالية تكشف عن تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي. فالعالم لم يعد أحادي القطبية كما كان بعد نهاية الحرب الباردة، حيث كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض روايتها السياسية والقانونية عبر المؤسسات الدولية. اليوم نحن أمام نظام دولي أكثر تعددية، تتصاعد فيه أدوار قوى مثل الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي، وهو ما يجعل شرعية المؤسسات الدولية محل نزاع متزايد.
وفي هذا السياق، فإن أي محاولة لتشكيل تحالف دولي ضد إيران لن تكون بالسهولة التي كانت عليها في العقود السابقة، لأن كثيرًا من الدول باتت تنظر بعين الشك إلى استخدام القانون الدولي كأداة سياسية. فالمشكلة لم تعد فقط في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط، بل في فقدان الثقة في النظام الدولي نفسه.
وبالتالي، فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس فقط تصاعد التوتر العسكري في المنطقة، بل تآكل القواعد التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وعندما يفقد القانون الدولي شرعيته في نظر عدد كبير من الدول، فإن العالم يدخل مرحلة أكثر خطورة، حيث تصبح القوة وحدها هي العامل الحاسم في إدارة الصراعات.
وفي هذا السياق، أتمنى ألا يكون هذا القرار أيضًا مقدمة لدخول دول الخليج في هذه الحرب، لأن ذلك قد يعني انتقال الصراع من مستوى سياسي وجيوسياسي إلى مستوى طائفي، وهو سيناريو شديد الخطورة على المنطقة بأكملها. فالحروب عندما تتحول إلى صراعات طائفية تصبح أكثر تعقيدًا وأطول أمدًا وأكثر تدميرًا للمجتمعات.
كما أن مثل هذا التطور قد يكون المخرج الوحيد الذي يبحث عنه دونالد ترامب في ظل أزمته السياسية وعدم تحقيق الأهداف المعلنة للحرب الدائرة حتى الآن، إذ إن توسيع نطاق الصراع إقليميًا قد يسمح بإعادة تشكيل التحالفات وخلق واقع سياسي جديد يغير موازين القوة في المنطقة.
لكن التاريخ يُظهر أن إشعال صراعات واسعة في الشرق الأوسط نادرًا ما يبقى تحت السيطرة، وغالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية تتجاوز حسابات القوى التي بدأت تلك الحروب