نيران الحرب بالشرق الأوسط تحرق أمن البيئة
ستمتد آثارها لأجيال قادمة
- السيد التيجاني
- 10 مارس، 2026
- تقارير
- إسرائيل, إيران, الحرب, الشرق الأوسط
الرائد | في قلب مشهد مشتعل بالصراعات الجيوسياسية، تتجاوز الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حدود الرصاص والمدافع لتضرب أعمق ركائز البقاء البشري. الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت النفط في إيران ومحطات تحلية المياه في البحرين، والحرائق المندلعة في مصفاة “شهران” بطهران، لم تعد مجرد أخبار عن انتصارات أو خسائر عسكرية، بل باتت تشكل بداية لفصل مظلم من “الإبادة البيئية” التي ستمتد آثارها لأجيال قادمة.
دخان طهران: حين يتسمم الهواء
بدأ المشهد يوم الأحد بغارات إسرائيلية مكثفة استهدفت الشرايين الاقتصادية لإيران. صور نساء الهلال الأحمر الإيراني وهن يقفن أمام أعمدة الدخان الأسود الكثيف في مصفاة “شهران” لم تكن مجرد كادر سينمائي حزين، بل كانت توثيقاً لكارثة تنفسية. احتراق المنشآت النفطية يطلق كميات هائلة من أكاسيد النيتروجين، والكبريت، والجزيئات الدقيقة التي لا تعترف بالحدود السياسية.
هذه السحب السامة تنتقل مع الرياح لتغطي مساحات شاسعة، مسببة أمراضاً تنفسية حادة وتلوثاً في التربة يسقط مع الأمطار الحمضية. إن استهداف مصافي النفط في مناطق مكتظة بالسكان مثل شمال غرب طهران يحول الهواء الذي يتنفسه الملايين إلى مزيج قاتل، مما يضع ضغوطاً هائلة على المنظومات الصحية المنهكة أصلاً بفعل التوترات المستمرة.
عطش الخليج: استهداف شريان الحياة
على الجانب الآخر من الخليج، كشفت وزارة الداخلية البحرينية عن هجوم بطائرات مسيرة إيرانية استهدف محطة لتحلية المياه. في منطقة تُصنف ضمن الأكثر فقراً مائياً في العالم، تُعد هذه المحطات هي “الرئة” التي يتنفس من خلالها الاقتصاد والسكان.
إن استهداف البنية التحتية للمياه يمثل تحولاً أخلاقياً وعسكرياً خطيراً. فتدمير محطة تحلية لا يعني فقط انقطاع المياه عن المنازل، بل يعني توقف الصناعات، وتدهور القطاع الزراعي المحدود، واحتمالية حدوث أزمات عطش جماعية قد تؤدي إلى موجات نزوح بشرية غير مسبوقة. المياه هنا ليست سلعة رفاهية، بل هي أمن قومي وجودي، والمساس بها هو مساس بحق الإنسان الأساسي في الحياة.
الأمم المتحدة: صرخة في وادٍ من النيران
لم يتأخر رد الفعل الدولي، حيث خرج ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ليدق ناقوس الخطر. التحذير الأممي ركز على “العواقب الوخيمة” التي تطال الغذاء والماء والهواء. تعبر الأمم المتحدة عن قلقها من أن هذه الهجمات المتبادلة تخلق “أثراً تراكمياً” يصعب علاجه.
تدمير منشآت النفط والتحلية ليس مجرد خسارة مالية يمكن تعويضها بالمال أو إعادة الإعمار، بل هو تدمير للنظام البيئي (Ecosystem). فالتسريبات النفطية الناتجة عن القصف قد تصل إلى مياه الخليج، مما يدمر الثروة السمكية ويهدد محطات التحلية الأخرى على طول السواحل، في حلقة مفرغة من الدمار الذاتي للمنطقة بأكملها.
القانون الدولي في مهب الريح
تطرح هذه الأحداث تساؤلات جوهرية حول مدى احترام الأطراف المتصارعة لاتفاقيات جنيف، التي تحظر بوضوح استهداف الأعيان المدنية والمنشآت الضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة. إن تحويل المنشآت البيئية والخدمية إلى “أوراق ضغط” سياسية وعسكرية هو انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
إن “ضرورة اتخاذ الاحتياطات” التي نادت بها الأمم المتحدة تبدو صعبة التحقيق في ظل اعتماد استراتيجية “الأرض المحروقة” أو استهداف البنية التحتية لإضعاف الخصم داخلياً. فالتكلفة البشرية هنا لا تُقاس بعدد القتلى في الانفجار لحظة وقوعه، بل بعدد الأطفال الذين سيعانون من الربو، والعائلات التي ستفقد الوصول إلى مياه نظيفة في السنوات القادمة.
هل من عودة؟
إن الشرق الأوسط، الذي يواجه أصلاً تحديات التغير المناخي والجفاف، لا يملك الرفاهية لتحمل كوارث بيئية ناتجة عن الحروب. الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، واستهداف المنشآت الحيوية في دول الجوار مثل البحرين، ترسم مستقبلاً قاتماً للمنطقة.
إذا استمر هذا التصعيد، فإن إعادة الإعمار لن تتطلب بناء الجدران والجسور فحسب، بل ستتطلب عقوداً لتطهير التربة وتنقية المياه واستعادة التوازن البيئي المفقود. إن الحرب في عام 2026 لم تعد تُخاض بالجنود فقط، بل تُخاض بتدمير مقومات الحياة، وهو ما يستدعي تدخلاً دولياً حازماً لفرض “خطوط حمراء بيئية” لا يجوز تجاوزها مهما بلغت حدة الصراع.