الولايات المتحدة في عين العاصفة
بقلم: السيد التيجاني
- السيد التيجاني
- 4 مارس، 2026
- رأي وتحليلات
- إيران, الولايات المتحدة, ترامب, طهران, عين العاصفة, نتنياهو
أكتب اليوم وأنا أراقب المشهد الإقليمي يتغير بسرعة لم نعهدها من قبل. الولايات المتحدة الأمريكية، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها القوة التي تمسك بخيوط اللعبة في الشرق الأوسط، تجد نفسها الآن في عين العاصفة. لم تعد المسألة مجرد دعم سياسي أو لوجستي لحليف، بل تورط مباشر في مواجهة مفتوحة مع إيران، بكل ما تحمله هذه الكلمة من مخاطر وتداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية.
منذ اللحظة التي اتُّخذ فيها قرار الانخراط في الحرب، بدا لي أن الحسابات لم تكن مكتملة. ربما ظن صناع القرار في واشنطن أن الضربات المحدودة والرسائل النارية كفيلة بإعادة طهران إلى مربع الردع، وأن التفوق الجوي والتكنولوجي سيحسم المشهد خلال أيام.
لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا. الرد الإيراني لم يكن رمزيًا أو قابلاً للاحتواء، بل جاء واسعًا، متعدد الجبهات، مستهدفًا أهدافًا أمريكية وإسرائيلية في آن واحد، في رسالة واضحة مفادها أن أي اشتباك لن يبقى محدودًا أو تحت سقف منخفض.
أتابع مشاهد السماء وهي تشتعل بموجات صاروخية تغطي الأفق من الخليج إلى شرق المتوسط. هذا المشهد لم يكن ضمن ما توقعته الخطة الصهيو-أمريكية التي راهنت على عنصر المفاجأة وسرعة الحسم.
لكن الواقع أثبت أن إيران أعدّت نفسها لسيناريو المواجهة الكبرى منذ سنوات، وأن بنك أهدافها لم يُبنَ على رد فعل عاطفي، بل على تخطيط طويل ورصد دقيق وتحضير لمرحلة تعتبرها طهران حتمية.
السؤال الذي يفرض نفسه عليّ بإلحاح: هل نحن أمام مواجهة شاملة؟ المؤشرات لا تبعث على الطمأنينة. توسيع الهجمات الإيرانية، سواء عبر صواريخ مباشرة أو عبر حلفاء إقليميين، يعني أن ساحة الحرب لم تعد محصورة في جغرافيا ضيقة. القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة أصبحت تحت الضغط، والمصالح الاستراتيجية باتت عرضة للاستهداف، في معادلة لم تعتد عليها واشنطن منذ عقود طويلة.
أشعر أن الولايات المتحدة، التي اعتادت أن تكون صاحبة المبادرة، وجدت نفسها فجأة في موقع رد الفعل. هذا التحول في ميزان المبادرة خطير للغاية. فالقوة العظمى حين تُستدرج إلى ساحة معركة لا تتحكم في إيقاعها ولا في سقفها، تكون عرضة لأخطاء استراتيجية مضاعفة.
وكل خطأ هنا لا يعني مجرد خسارة ميدانية، بل اهتزازًا في صورة الردع العالمي التي بنتها أمريكا عبر عقود من التفوق العسكري والتحالفات الواسعة.
لكن الأخطر في تقديري ليس فقط ما يحدث في السماء أو على الأرض، بل ما يمكن أن يحدث في البحر. إيران تملك أوراق ضغط لا تقل خطورة عن صواريخها، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
ذلك الممر البحري الضيق الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية ليس مجرد نقطة على الخريطة، بل شريان حيوي للاقتصاد العالمي. مجرد التلويح بإغلاقه أو تلغيمه كفيل بإرباك الأسواق خلال ساعات، فكيف إذا تحول التهديد إلى واقع ميداني؟
أتخيل سيناريو تلغيم المضيق أو استهداف السفن العابرة فيه. لن يكون الأمر مجرد تصعيد عسكري، بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا. ناقلات النفط التي تمثل شريان الطاقة للعالم قد تتوقف أو تعيد حساباتها، وشركات التأمين سترفع أقساطها بشكل غير مسبوق، والدول الصناعية الكبرى ستجد نفسها أمام أزمة طاقة خانقة. ارتفاع أسعار النفط سيقود إلى موجات تضخم تضرب الأسواق من آسيا إلى أوروبا، وتنعكس فورًا على أسعار الغذاء والنقل والصناعة.
الولايات المتحدة تدرك خطورة هذه الورقة، ولذلك تحشد أساطيلها البحرية في المنطقة لضمان أمن الملاحة. لكنها تعلم أيضًا أن ضمان أمن ممر بحري في ظل حرب مفتوحة ليس مهمة سهلة. لغم بحري واحد، أو صاروخ يصيب ناقلة، قد يشعل أزمة ثقة في الأسواق العالمية، ويقلب معادلات العرض والطلب في أيام معدودة. هنا تتجلى حقيقة أن السلاح الاقتصادي قد يكون أشد وقعًا وأطول أثرًا من السلاح العسكري.
ولا يقتصر الأمر على المضيق وحده. البنية التحتية للطاقة في المنطقة بأسرها أصبحت ضمن دائرة الخطر: مصافٍ، موانئ، خطوط أنابيب، ومنشآت تصدير. أي ضربة ناجحة على منشأة استراتيجية ستؤدي إلى تراجع الإنتاج وإرباك الإمدادات، ما يضاعف الضغط على اقتصاد عالمي لم يتعافَ بالكامل من أزمات سابقة. العالم اليوم مترابط بشكل غير مسبوق، وأي صدمة في قطاع الطاقة ستنعكس فورًا على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
لا يمكنني أيضًا أن أتجاهل دور نتنياهو وترامب في هذا المشهد المتفجر. كلاهما راهن على أن التصعيد قد يعزز موقعه السياسي داخليًا، وأن المواجهة مع إيران يمكن أن تكون ورقة قوة. لكن حين تختلط الحسابات السياسية بالقرارات العسكرية، تصبح المغامرة أكثر خطورة. فالحرب لا تُدار بالشعارات، بل بالتوازنات الدقيقة، وأي تقدير خاطئ قد يدفع المنطقة بأسرها إلى هاوية لا يمكن التحكم فيها.
أتساءل بصدق: هل كانت كل هذه السيناريوهات حاضرة في ذهن من اتخذ قرار التصعيد؟ أم أن الرهان كان على ضربة سريعة تعيد رسم خطوط الردع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؟ ما أراه أن كرة النار تتدحرج بسرعة، وأن كل خطوة عسكرية تقابلها خطوة مضادة، وكل تصعيد يفتح بابًا لتصعيد أكبر.
في خضم هذه التطورات، أزداد قناعة بأن الأسلحة العسكرية لن تكون وحدها الفيصل في هذه الحرب. قد تحسم معركة هنا أو هناك، لكنها لن تحسم معركة الإرادات ولا معركة الاقتصاد. النفط أصبح سلاحًا، والممرات البحرية أصبحت سلاحًا، والأسواق المالية أصبحت ساحة مواجهة بحد ذاتها. من يملك القدرة على التأثير في شريان الطاقة العالمي يملك ورقة ضغط تعادل أحيانًا قوة الأساطيل والجيوش.
الساعات القادمة ستكون حاسمة. إذا مضت إيران نحو استخدام ورقة المضيق بشكل مباشر، فإن العالم سيدخل مرحلة اضطراب غير مسبوقة. وإذا قررت الولايات المتحدة الرد بقوة لمنع ذلك، فقد تتسع رقعة المواجهة إلى نطاق إقليمي شامل. في الحالتين، لن يكون الخاسر طرفًا واحدًا فقط، بل قد يكون النظام الدولي بأسره.
أكتب هذه الكلمات وأنا أدرك أن ما يجري ليس حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط والعالم. الولايات المتحدة في عين العاصفة، وإيران توسع دائرة النار، والعالم يحبس أنفاسه بين صاروخ ينطلق وناقلة تعبر مضيقًا مهددًا.
أما الساعات القادمة، فهي وحدها الكفيلة بأن تكشف إن كنا أمام احتواء متأخر ينقذ ما يمكن إنقاذه… أم أمام كارثة كبرى تقودها قرارات لم تُحسب عواقبها جيدًا، حيث لا تكون القوة العسكرية وحدها هي الحكم، بل القدرة على الصمود في معركة الاقتصاد والإرادة.