واشنطن تعلن دعمها لإسلام آباد وسط تصاعد التوتر

مخاوف متزايدة من صراع مفتوح

يشهد الإقليم الحدودي بين باكستان وأفغانستان أخطر موجة تصعيد عسكري منذ سنوات، في ظل تبادل للضربات وسقوط مئات القتلى والجرحى، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق المواجهة إلى صراع مفتوح قد يعيد رسم معادلات الأمن في جنوب آسيا. وبينما تتسارع التطورات الميدانية، تتكثف التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية لمحاصرة الأزمة ومنع توسعها.

دعم أمريكي وضغوط أوروبية

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية دعمها “حق باكستان في الدفاع عن نفسها”، في موقف يعكس تفهماً للمخاوف الأمنية الباكستانية، لا سيما ما يتعلق بهجمات تنسبها إسلام آباد إلى جماعات مسلحة تنشط انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.

في المقابل، شدد المجلس الأوروبي على ضرورة عدم استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الدول الأخرى، داعياً الطرفين إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار واحترام القانون الدولي.

هذا التباين النسبي في الخطاب الدولي يعكس حساسية الموقف؛ فبينما تعترف عواصم غربية بحق الدول في حماية أمنها، فإنها تخشى في الوقت ذاته من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى تقويض الاستقرار الهش في أفغانستان، التي لا تزال تعاني أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021.

وساطات عربية وإسلامية متسارعة

إقليمياً، برز حراك دبلوماسي تقوده عدة عواصم عربية وإسلامية. فقد أجرت قطر اتصالات منفصلة مع الجانبين، مؤكدة دعمها للحلول السلمية. كما أعربت مصر والعراق والإمارات والسعودية عن قلقها من تداعيات التصعيد،

ودعت إلى تغليب لغة الحوار. ويعكس هذا التحرك إدراكاً جماعياً بأن أي انفجار واسع بين كابول وإسلام آباد قد ينعكس على الأمن الإقليمي، خاصة في ظل الترابط بين ملفات الإرهاب والهجرة غير النظامية وتجارة السلاح والمخدرات.

من جهتها، كثفت تركيا وإيران وماليزيا اتصالاتها مع الطرفين. ودعا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى معالجة الخلافات في إطار حسن الجوار، بينما شدد رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم على ضرورة وقف العمليات العسكرية فوراً، مع مراعاة المخاوف الأمنية الباكستانية واحترام سيادة أفغانستان في آن واحد. هذه المواقف تعكس محاولة لتحقيق توازن دقيق بين الاعتبارات الأمنية ومبدأ عدم انتهاك السيادة.

جذور التوتر المتجدد

تتهم باكستان السلطات الأفغانية بعدم اتخاذ إجراءات كافية ضد “طالبان باكستان”، التي تنفذ هجمات داخل الأراضي الباكستانية. وفي المقابل، ترى كابول أن الضربات الباكستانية داخل أراضيها تمثل انتهاكاً للسيادة، وتؤكد حقها في الرد. وقد أدى تبادل القصف الأخير إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى من الجانبين، ما رفع مستوى الاحتقان الشعبي والسياسي.

ورغم أن البلدين وقعا اتفاق وقف إطلاق نار في الدوحة العام الماضي بوساطة قطرية وتركية، فإن الاتفاق لم يصمد طويلاً أمام تعقيدات الواقع الميداني. فالحدود الجبلية الوعرة، وتداخل القبائل، ووجود جماعات مسلحة عابرة للحدود، كلها عوامل تجعل من الصعب ضبط الأمن بشكل كامل.

مخاطر الانزلاق إلى حرب مفتوحة

التهديد الباكستاني بشن “حرب مفتوحة” يمثل نقطة تحول خطيرة في مسار الأزمة. فمثل هذا السيناريو قد يجر المنطقة إلى مواجهة طويلة الأمد، ويقوض أي فرص لتعافي الاقتصاد الأفغاني أو استقرار المناطق القبلية الباكستانية. كما قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية أوسع، سواء عبر دعم سياسي أو أمني لأحد الطرفين.

في الوقت ذاته، تخشى منظمات إغاثية من تفاقم الأوضاع الإنسانية، خاصة إذا استمرت الضربات في مناطق مأهولة. فأفغانستان تعاني أصلاً من هشاشة البنية التحتية الصحية، وأي موجة نزوح جديدة ستزيد العبء على المجتمعات المحلية.

بين الردع والدبلوماسية

المعادلة الحالية تبدو معقدة: باكستان تسعى لإرسال رسالة ردع واضحة، بينما تحاول أفغانستان تثبيت سيادتها ومنع تكريس واقع الضربات العابرة للحدود. وبين هذين الهدفين، تتحرك الوساطات الدولية في سباق مع الزمن لمنع تحول الاشتباكات إلى صراع شامل.

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار الأزمة: إما عودة تدريجية إلى طاولة الحوار عبر قنوات إقليمية، أو استمرار دوامة التصعيد بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على أمن جنوب آسيا واستقراره.