الأقصى بين السياسة الإسرائيلية ومنظومة القانون الدولي المعطلة

كامل ريان يكتب

التصريحات التي أطلقها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خلال جلسة الكابنيت الأخيرة، بشأن ترتيبات شهر رمضان في المسجد الأقصى، لم تكن مجرد مواقف سياسية عابرة، بل حملت في طياتها إعلانا صريحا عن توجه حكومي يمس جوهر “الوضع الراهن التاريخي” للمسجد.

الأخطر في هذه التصريحات لم يكن مضمونها فحسب، بل الإقرار بأنها تتم بتنسيق مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ما ينقل المسألة من إطار اجتهاد أمني إلى مستوى قرار سياسي تتحمل مسؤوليته الحكومة بكاملها.

عقب احتلال القدس الشرقية عام 1967، جرى تفاهم شفهي بين وزير الحرب آنذاك، موشيه ديان، وقيادات دينية إسلامية مقدسية، يقضي ببقاء إدارة المسجد بيد الأوقاف الإسلامية، أي الإقرار بالوضع الراهن وجذره التاريخي (الستاتيكو)

ما هو الوضع الراهن؟ ولماذا يشكل مرجعية ملزمة؟

الوضع الراهن في المسجد الأقصى ليس تفاهما طارئا ولد في العقود الأخيرة، بل هو منظومة تاريخية قانونية تعود جذورها إلى العهد العثماني منذ عام 1517، حين ثبتت إدارة المسجد بصفته وقفا إسلاميا خالصا تحت إشراف الأوقاف الإسلامية، وأرست التفاهمات بين الطوائف المسيحية وامتداداتها الدولية، وفق منظومة تاريخية قانونية دولية سياسية دينية.

هذا المبدأ تعزز دوليا بعد حرب القرم في معاهدة باريس عام 1856، التي أكدت احترام الامتيازات الدينية القائمة، ثم أعادت معاهدة برلين عام 1878 تثبيت حماية الأماكن المقدسة وعدم المساس بترتيباتها الدينية.

خلال الانتداب البريطاني، نص صك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم عام 1922 على صون الأماكن المقدسة، وعدم الإخلال بحقوق الطوائف الدينية فيها. وبعد عام 1948، استمرت الإدارة الأردنية للمسجد الأقصى حتى عام 1967 من خلال الوصاية الهاشمية، دون تغيير في طبيعته الدينية كمسجد للمسلمين.

تفاهمات 1967 وإقرار إسرائيل بـ”الستاتيكو”

عقب احتلال القدس الشرقية عام 1967، جرى تفاهم شفهي بين وزير الحرب آنذاك، موشيه ديان، وقيادات دينية إسلامية مقدسية، يقضي ببقاء إدارة المسجد بيد الأوقاف الإسلامية، أي الإقرار بالوضع الراهن وجذره التاريخي (الستاتيكو).

هذا التفاهم أصبح حجر الأساس لما يعرف بـ”الستاتيكو المعاصر” (الوضع القائم)، ولم تقدم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رسميا على إلغائه، بل حافظت عليه كترتيب أمني وديني وتاريخي وقانوني ودولي حساس.

معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة عام 1994، المعروفة بـ”اتفاقية وادي عربة”، نصت في مادتها التاسعة على الاعتراف بالدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس

قرارات مجلس الأمن التي حصنت وضع القدس

المنظومة القانونية لم تتوقف عند التفاهمات المحلية، بل دعمتها قرارات دولية واضحة:

  • قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 أكد عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.
  • القرار 252 لعام 1968، والقرار 267 لعام 1969، اعتبرا الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير طابع القدس باطلة.
  • القرار 271 لعام 1969 أدان المساس بالأماكن المقدسة.
  • ثم جاء القراران 476 و478 عام 1980 ليرفضا “قانون القدس”، ويعتبرا ضم القدس الشرقية لاغيا وباطلا.
  • وأخيرا، أكد القرار 2334 لعام 2016 عدم شرعية أي تغييرات أحادية في الأراضي المحتلة منذ 1967، بما فيها ما يتعلق بالقدس الشرقية.

اليونسكو والهوية التاريخية للموقع

قرارات المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو بين عامي 2016 و2018 شددت على أن المسجد الأقصى/الحرم الشريف موقع تراث إسلامي، ورفضت أي محاولة لتغيير وضعه الديني أو القانوني أو التاريخي. هذه القرارات أعادت تثبيت البعد الثقافي والحضاري للمسجد باعتباره جزءا من التراث الإنساني العالمي.

الوصاية الهاشمية ومعاهدة 1994

معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة عام 1994، المعروفة بـ”اتفاقية وادي عربة”، نصت في مادتها التاسعة على الاعتراف بالدور الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس. هذا الاعتراف لم يكن مجاملة سياسية، بل التزاما تعاقديا دوليا، وأي مساس به يفتح الباب أمام تبعات قانونية ودبلوماسية مباشرة.

وفق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا يجوز للدولة المحتلة تغيير الوضع القانوني أو الإداري للأرض المحتلة، وهو ما يجعل أي تعديل أحادي في طبيعة إدارة الأقصى موضع مساءلة قانونية دولية

المسؤولية في ضوء نظام روما الأساسي

نظام روما الأساسي لعام 1998، المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، ينص في المادة 8 على تجريم استهداف المباني المخصصة للعبادة، كما يعرف في المادة 7 الجرائم ضد الإنسانية.

وفي سابقة قضائية مهمة عام 2016، في قضية أحمد الفقي المهدي المتعلقة بتدمير أضرحة تمبكتو في مالي، اعتبرت المحكمة أن الاعتداء على مواقع دينية وتراثية يرقى إلى جريمة حرب. هذه السابقة تؤكد أن حماية المقدسات ليست شأنا محليا، بل هي التزام دولي قابل للمساءلة.

من إدارة أمنية إلى تغيير جوهري

حين تتحول الزيارات السياحية إلى صلوات علنية، وحين يعاد تنظيم الزمان والمكان داخل المسجد بما يمس طبيعته الدينية، فإن الأمر يتجاوز الاعتبارات الأمنية ليصبح تغييرا جوهريا في وظيفة المكان.

وفق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا يجوز للدولة المحتلة تغيير الوضع القانوني أو الإداري للأرض المحتلة، وهو ما يجعل أي تعديل أحادي في طبيعة إدارة الأقصى موضع مساءلة قانونية دولية.

الأقصى ليس ملفا إداريا، بل قضية ترتبط بالنظام القانوني الدولي ذاته، ناهيك عن مكانته الدينية العقدية الإسلامية التي لا مساومة فيها ولا عليها

تحدٍ لمنظومة قانونية ممتدة منذ قرن ونصف

التصريحات التي تتحدث عن “تصحيح ظلم” أو “مساواة دينية” تتجاهل أن المسجد الأقصى ليس ساحة نزاع حقوقي داخلي، بل هو موقع تحكمه ترتيبات تاريخية دولية تعود إلى القرن التاسع عشر، وثبتها القانون الدولي الحديث.

الإقرار بالتنسيق الحكومي يعني أن المسؤولية لا تقع على وزير بعينه، بل على الحكومة الإسرائيلية ككيان سياسي وقانوني. فالمساس بالوضع الراهن في المسجد الأقصى ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل خطوة تفسر كخرق لالتزامات دولية راسخة، من معاهدات القرن التاسع عشر إلى قرارات مجلس الأمن ونظام روما الأساسي. وفي ظل هذه المرجعيات، فإن أي تغيير أحادي يحمل في طياته تبعات قانونية تتجاوز حدود القدس لتصل إلى ساحات القانون الدولي.

الأقصى ليس ملفا إداريا، بل قضية ترتبط بالنظام القانوني الدولي ذاته، ناهيك عن مكانته الدينية العقدية الإسلامية التي لا مساومة فيها ولا عليها.

وأي عبث به هو اختبار مباشر لمدى قدرة هذا النظام على حماية الإرث الديني والإنساني الدولي، الذي ارتقى المساس به إلى جريمة حرب يعاقب عليها كل من ساهم وشارك في هذه الجريمة.

المصدر: الجزيرة