صرخة موحدة في بريطانيا وفرنسا لوقف ترحيل اللاجئين

هل تسقط الاحتجاجات الشعبية 'ترانزيت اللجوء'

في حراكٍ عابر للحدود يعيد رسم خارطة الضغط الشعبي في أوروبا، تشهد العاصمتان البريطانية والفرنسية تصعيداً غير مسبوق من قبل منظمات حقوقية وحملات شعبية، للمطالبة بوقف فوري لخطة ترحيل اللاجئين المثيرة للجدل المعروفة بـ “واحد مقابل واحد” (One in, One out). هذا الحراك، الذي اتسع نطاقه في فبراير الجاري، يضع حكومتي لندن وباريس أمام اختبار أخلاقي وقانوني عسير.

اتفاقية “المقايضة”: شرارة الغضب
تعتمد الخطة التي أقرتها الدولتان على آلية ترحيل طالبي اللجوء الذين يعبرون القناة الإنجليزية (المانش) فور وصولهم إلى بريطانيا وإعادتهم إلى فرنسا، مقابل استقبال لندن لعدد مماثل من اللاجئين من ذوي “الحالات القانونية” المستقرة على الأراضي الفرنسية.
ورغم تسويق الحكومتين للخطة كحل “للقضاء على عصابات التهريب”، إلا أن الشارع الحقوقي يراها “مقايضة بالبشر”. وقد وصفتها منظمة Care4Calais في بيان لها بأنها:”نظام آلي يجرد اللاجئين من صفتهم الإنسانية ويحولهم إلى أرقام في معادلة سياسية، متجاهلاً معايير الحماية الدولية.”

تنسيق ميداني: لندن وباريس على قلب رجل واحد

أرسلت 28 منظمة غير حكومية معنية بشؤون اللاجئين وحقوق الإنسان في بريطانيا وفرنسا رسائل رسمية إلى أربع شركات يُعتقد أنها شاركت في رحلات الترحيل، وهي:

Air France

Titan Airways

AlbaStar

Corendon Airlines

وطالبت الرسائل هذه الشركات بوقف ما وصفه الموقّعون بـ«التورط المخزي» في عمليات الترحيل، داعية إلى مقاطعة “إير فرانس”، ومطالبة الشركات الأخرى بإعلانات علنية تؤكد امتناعها عن تنفيذ أي رحلات ترحيل لصالح وزارة الداخلية البريطانية.

واتهمت المنظمات شركات الطيران بـ«التواطؤ في عمليات ترحيل قسرية وقاسية»، بما في ذلك حالات يُزعم أنها شملت ضحايا تعذيب واتجار بالبشر وعبودية حديثة.

لم تقتصر الاحتجاجات على الميادين، بل تحولت إلى حملة منظمة تحت شعار “أوقفوا طائرات الترحيل”، وتجلت في النقاط التالية:

حصار المطارات والقواعد: شهد مطلع فبراير محاولات من محتجين في بريطانيا لعرقلة أولى رحلات الترحيل المبرمجة لعام 2026، مما أدى إلى إلغائها بقرار قضائي عاجل.

مسيرة “الكرامة” الكبرى: تستعد لندن لاستقبال آلاف المتظاهرين في 28 مارس المقبل، بمشاركة نقابات عمالية وشخصيات فنية بارزة، للضغط على البرلمان لإلغاء التشريعات المقيدة للجوء.

إضرابات “أوفبرا” في باريس: في الجانب الفرنسي، نظم موظفو المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين (Ofpra) تحركات احتجاجية، محذرين من أن الخطة تحول فرنسا إلى “مركز احتجاز مفتوح” نيابة عن بريطانيا.

ترحيل رغم التحذيرات… وإضراب عن الطعام

بحسب مصادر مطلعة، رُحّل عشرات طالبي اللجوء قسرًا إلى فرنسا صباح الخميس، رغم تحذيرات منظمات حقوقية من أن بعضهم قد يواجه مخاطر تتعلق بشبكات الاتجار بالبشر.

وكان المرحّلون قد دخلوا في إضراب عن الطعام احتجاجًا على قرار إعادتهم.

ونقلت صحيفة (The Guardian) شهادات لمحتجزين تحدثوا عن حالة من الضيق الشديد داخل مراكز الاحتجاز، حيث قال بعضهم إنهم يفكرون في الانتحار.

وقال أحد المحتجزين السوريين: «هذا سجن وليس مركز احتجاز، نحن هنا رغم أننا لم نرتكب أي خطأ، يُقال إننا مجرمون لأننا وصلنا بقارب صغير، لكننا لسنا كذلك».

كما أفاد محتجز آخر بأنه يعاني من حالة صحية تتطلب عملية جراحية عاجلة، مؤكدًا أنه لا يستطيع الأكل أو النوم بسبب الألم.

في المقابل، قالت مصادر في وزارة الداخلية إنه خضع لتقييم طبي واعتُبر لائقًا للسفر جوًا.

طعون قانونية وتحذيرات

جاءت عمليات الترحيل الأخيرة في ظل طعن قانوني أمام المحكمة العليا تقدّم به 16 طالب لجوء ضد سياسة «واحد مقابل واحد»، في محاولة لإلغاء إرشادات جديدة تحدّ من قدرة طالبي اللجوء على إعادة فتح ملفاتهم المرتبطة بالاتجار بالبشر.

كما يطعن بعضهم في مدى التزام فرنسا بتعهداتها بموجب المعاهدات الدولية الخاصة بحماية ضحايا الاتجار بالبشر. وقد تم تسريع النظر في القضية نظرًا لاستمرار عمليات الإزالة.

وكان خبراء تابعون للأمم المتحدة قد حذروا سابقًا من أن المخطط قد ينتهك قوانين حقوق الإنسان الدولية.

احتجاجات واستخدام القوة

وشهد الشهر الماضي احتجاجًا سلميًا قبيل إحدى رحلات الترحيل، إلا أن الرحلة نُفذت رغم ذلك، وسط تقارير عن إرسال عناصر مكافحة الشغب وكلاب الشرطة واستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.

أرقام محدودة وتأثير محدود

ومنذ بدء تطبيق المخطط في سبتمبر الماضي، تم ترحيل 305 أشخاص إلى فرنسا، مقابل نقل 367 إلى بريطانيا، وهو ما يمثل أقل من 2 من مئة من إجمالي الوافدين عبر القوارب الصغيرة.

وحتى الآن هذا العام، عبر 1,528 شخصًا القناة الإنجليزية، ويُعزى الانخفاض النسبي في الأعداد إلى سوء الأحوال الجوية.

وقد تم التواصل مع وزارة الداخلية البريطانية وشركات الطيران المعنية للتعليق

 تحذيرات أممية وضغوط قانونية
دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة في منتصف فبراير 2026، حيث وجه خبراء أمميون رسالة شديدة اللهجة للحكومتين، حذروا فيها من أن “الإعادة القسرية” دون دراسة وافية لكل حالة على حدة تمثل انتهاكاً صارخاً لاتفاقية جنيف للاجئين.
أبرز النقاط القانونية التي تهاجمها الحملة الشعبية:
الملف نقطة الاعتراض
السلامة الجسدية غياب الضمانات الأمنية للاجئين بعد إعادتهم لفرنسا.
الحق في الدفاع سرعة إجراءات الترحيل تمنع اللاجئين من الوصول لمحامين أو مترجمين.
التفكك الأسري الخطة لا تراعي لم شمل العائلات التي تفرق أعضاؤها بين ضفتي القناة.
 الموقف الرسمي: إصرار أمام العاصفة
حتى اللحظة، لا تزال داونينغ ستريت والإليزيه يتمسكان بالاتفاق، معتبرين أن “الردع” هو السبيل الوحيد لوقف قوارب الموت. إلا أن مراقبين يرون أن حجم التضامن الشعبي، الذي بدأ يمتد إلى مدن مثل كاليه وليون ومانشستر، قد يجبر الحكومات على مراجعة بنود الاتفاقية أو تأجليها لأجل غير مسمى، خاصة مع تزايد الطعون القضائية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.