هل ينتهي المشروع الإيراني في المنطقة قريبا؟

عمار علي حسن يكتب

تحشد الولايات المتحدة الأمريكية حاليا ومعها إسرائيل ضد إيران، في خطوة يتحدث الأمريكيون عن أنها إما لردع طهران، أو الضغط عليها حتى تقدم تنازلات عميقة في ملفها النووي، أو يكون عليها انتظار ضربة عسكرية قوية لإسقاط النظام الحاكم، والإتيان بآخر موالٍ لواشنطن، يتخلى عن المشروع الذي تبنته إيران منذ الثورة عام 1979 وإلى الآن.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: هل نشهد نهاية المشروع الإيراني سواء كان استجابة للضغط الغربي وتقديم تنازل عبر التفاوض، أو إثر حرب قد تطيح بحكم الملالي؟

ابتداء فإن الدولة الإيرانية لم تتحرك على مدار أكثر من أربعة عقود من فراغ، ولم تمضِ في طريقها مدفوعة برغبة في المشاكسة أو الشغب أو محاولة لفت الانتباه أو تفزيع الآخرين منها، إنما ظلت تحكمها إستراتيجية، تقوم في بنيتها العامة على ثلاثة تصورات، وخمس أدوات، هي التي تسيطر على خطوطها العريضة، وتحدد التفاصيل أو الخطط والسياسات، ومن بعدها الإجراءات والقرارات.

والتصورات الثلاثة تلك ذات طبيعة تاريخية وسياسية وعسكرية أو تكتيكية:

  • أولها: المشروع القومي، وهو يضرب بجذور بعيدة في الزمن، إذ إن “الأمة الفارسية” لا تمل من الحنين إلى زمن إمبراطوريتها القوية التي كانت، أيام الأكاسرة، الذين كان لهم طموح توسعي شديد، سجلته الأعمال المسرحية الإغريقية القديمة، وكذلك ما خطه الفراعنة عن حملة قمبيز على مصر 525 قبل الميلاد.

وعلى مستويات أدنى تغلغل الفرس في نسيج الخلافة العباسية، وأقام الصفويون دولة قوية قبل أن يهزمها العثمانيون، لكنها لم تلبث أن عادت قوية أيام حكم الشاهات، وصارت تلعب دور “شرطي الخليج”، فلما قامت الثورة عام 1979 استعمل رجال الدين الذين آل إليهم الحكم مبدأ “تصدير الثورة” في محاولة استعادة المجد الغابر للدولة الإيرانية، بغض النظر عن اختلاف الأيديولوجية أو الإطار.

  • الثاني: هو الحيز الجغرافي، حيث تصورت طهران وتصرفت على أساس أن ما حولها من دول ليست سوى مجال حيوي لنفوذها ومصالحها ومطامعها، وهو ما تتعامل به إيران مع بعض جيرانها على الدوام.
  • الثالث: هو الدفاع المتقدم، فإيران تبرر تدخلها في محيطها الإقليمي بأنه دفاع متقدم عن كيان الدولة، في وجه الوجود الأمريكي في المنطقة، وصعود التشدد الديني السني في باكستان وأفغانستان، ومواجهة نفوذ تركيا الثقافي التقليدي في آسيا الوسطى، والتصدي للإستراتيجية الإسرائيلية في الإقليم، التي يقوم جانب كبير منها على إضعاف إيران.

وهذه التصورات تم تنفيذها عبر خمس أدوات، تعمل معا في تكامل واضح من أجل تحقيق الهدف الأساسي الذي تسعى إليه إيران:

  • الأولى؛ تتمثل في الوكلاء المنظمين، حيث ارتبطت إيران بعلاقات قوية مع جماعات وتنظيمات وأحزاب في دول عربية وإسلامية، لا تخفي علاقتها القوية بطهران، وفي مطلعها حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن.
  • الثانية؛ هي الفضاء الشيعي، وهو كان خاملا إلى حد بعيد، قبل قيام الثورة الإيرانية، لكن تم تنشيطه من قبل طهران، وتغذيته بأفكار تنزع إلى تحيز قطاع منه إلى المصلحة الإيرانية.

لكن الشيعة العلويين في البلدان العربية العرب كان من بينهم دوما المنتمون إلى التيارين القومي والليبرالي، والمدافعون عن الدولة الوطنية كجزء أصيل من نسيجها، ومن تكوينها التاريخي والآني، ولهم مرجعتيهم المختلفة المتمثلة في “النجف الأشرف”.

ولذا انخرطوا بقوة ضمن صفوف القوات العراقية التي قاتلت إيران من 1980 وحتى 1989، ومنهم الذين يرفضون أي تدخل إيراني في شؤون الدول العربية، وهذه مسألة سابقة على قيام الثورة الإيرانية، ولا يمكن تجاهل أن العلاقة بين العرب وإيرن تراوح بين تداخل وتناقض، شراكة وصراع، منذ أن تأسست الدولة العربية ما بعد الاستعمار، بل إن تعبير “الشيعة العرب” نفسه، الذي طفا على السطح عام 1994 تقريبا، جاء للتعبير عن خصوصيتهم الجوهرية النابعة من هويتهم اجتماعيا وثقافيا وسياسيا، بعيدا عن التصور النمطي الذي عممته الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين حول الشيعة.

  • أما الأداة الثالثة؛ فتقوم على توظيف بعض الجماعات والتنظيمات السنية، حيث أبدت إيران مرونة سياسية عالية في التعامل مع جماعات سنية في العالم العربي، فمدت جسور تعاون معها، لا سيما أن بعض “التنظيمات الجهادية” رأت أن الثورة الإيرانية كانت مصدر إلهام لها في التخطيط لقيام “ثورة إسلامية” يكون تكرارها في دول يعتنق سكانها، أو أغلبهم، المذهب السني مسألة ممكنة.

ولم تكتفِ طهران بهذا، بل سمحت لبعض رموز الحركات الجهادية بدخول أراضيها بعد انتهاء مهمتها في أفغانستان وقت الصراع ضد الاتحاد السوفياتي، واستمرت تنسق مع بعضهم وتستخدمهم كأوراق ضغط ضد دول معينة، أو وسيلة لجمع معلومات عن مختلف الجماعات الإرهابية والمتطرفة.

  • والرابعة؛ تتعلق بقدرة الخطاب الإيراني الثوري على جذب بعض التنظيمات اليسارية العربية، وكذلك الأفراد الذين يمضون في هذا الاتجاه، من خلال تأكيده على قضايا الحرمان، أو “حركات المحرومين” والمهمشين، علاوة على مقاومة المشروع الإسرائيلي، مستغلا تراجع الدعم العربي عموما لحركات أو اتجاهات النضال ضد إسرائيل.
  • أما الخامسة والأخيرة، فترتبط بالاعتماد على ما يسمى “الهوى الشيعي” أحيانا، إذ إن حب أتباع المذهب السني لآل البيت، وهي مسألة طبيعية، يتم استغلاله أحيانا من قبل رجال الدين في إيران لدغدغة مشاعر قطاعات عريضة من السنة بغية خلق حالة تعاطف مع المشروع الإيراني بعد 1979.وهي حالة عبر عنها الخميني نفسه حين قال مثلا: “مصر سنية المذهب شيعية الهوى”، مستغلا حب المصريين الجارف لآل البيت، وهو قول يلقى انتقادات شديدة من قبل المؤسسات الدينية المصرية التي ترى فيه محاولة مكشوفة لمغازلة عموم المصريين من قبل الخميني.

    وفي الوقت الذي يوجد فيه إيرانيون يرفضون النظر إلى العالم العربي بوصفه مجالا حيويا لإيران، فإن هناك من بين العرب من يرون أن العلاقة مع إيران يجب ألا تنزلق إلى صراع مفتوح، وتقوم على التعاون الخلاق، الذي يراعي المصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة، ويتكئ على “الاعتماد المتبادل” ومبدأ “حسن الجوار”، وآخر فصوله كان قيام بلدان عربية بإبلاغ واشنطن بأنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لضرب إيران.

    وبعد أن كان هناك في إيران من يتيه بالسيطرة على أربع عواصم عربية، هي؛ بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء، تغير الوضع منذ طوفان الأقصى، حيث فقدت إيران تباعا الكثير من أدوات التغلغل في العالم عربي، حسبما شرحت سابقا.

    وحال توجيه ضربة عسكرية قوية لإيران سنكون أمام خيارين: إما أن يسقط النظام الإيراني ومعه مشروعه الذي كان يتعامل مع العالم العربي كمجال حيوي، أو يبقى النظام ضعيفا منهكا لا مجال لاستمراره إلا بالتخلي عن أحلامه التوسعية والتركيز على الداخل الإيراني بعد طول إهمال، لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية الطاحنة، التي كانت واحدة من الأسباب القوية لخروج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع في الأسابيع الأخيرة.

    وحتى إن جاء نظام بديل، فهو سينشغل بالداخل، وإن كان له دور إقليمي سيكون تابعا مرهونا بالرؤية والمصالح الأمريكية.

    وحتى لو لم تنفذ واشنطن وتل أبيب الضربة لا يوجد ما يمنع تآكل النفوذ الإيراني في العالم العربي، ووقتها سيدرك كثيرون أن مناصرة القضية الفلسطينية يجب أن تكون خالصة لها، وليست مرهونة ومربوطة بمشاريع أخرى. وقد يكون هذا هو بداية وعي جديد في التعامل مع قضية العرب المركزية، لا شك أن نتائجه ستكون مختلفة في المستقبل.

    المصدر: الجزيرة