تجديد الخطاب العلماني… سؤال الغائب الحاضر

د. ياسر عبد التواب يكتب

منذ سنوات طويلة، لا يكاد يخلو نقاش فكري أو إعلامي في العالم الإسلامي من المطالبة بما يُسمّى «تجديد الخطاب الديني»، وغالبًا ما يُقصد به الخطاب الإسلامي وحده، وكأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحتاج إلى مراجعة أو إعادة صياغة، في حين تُستثنى الأديان الأخرى كاليهودية والمسيحية والهندوسية والكونفوشيوسية من هذا المطلب. وهذه الازدواجية ليست عفوية، بل تعكس حقيقة تاريخية مفادها أن تلك الديانات خضعت منذ زمن بعيد لعمليات علمنة شاملة، أُفرغ فيها الدين من دوره التوجيهي في المجتمع، وحُصر في المجال الفردي أو الطقوسي، وأُعيد تأويل نصوصه بما يتوافق مع الرؤية الحداثية الغربية.
أما الإسلام، فقد ظل عصيًا على هذا المسار، محتفظًا بنصوصه وقيمه بوصفها مكوّنًا حيًا ومتداولًا في ثقافة المجتمعات المسلمة، متجذرًا في وعي الأفراد وسلوكهم، وفي البناء الأسري والاجتماعي، بل ومتوافقًا مع الفطرة الإنسانية ذاتها. ولهذا فإن الإصرار على إخضاع الإسلام للآليات نفسها التي استُخدمت مع مجتمعات غير إسلامية يكشف عن قصور عميق في فهم طبيعة هذا الدين ومكانته في حياة أتباعه.
ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: أليست العلمانية نفسها بحاجة إلى تجديد خطابها؟ أليس الجمود الحقيقي هو هذا العجز عن التعامل مع الإسلام بوصفه منظومة قيمية حضارية مختلفة، لا مجرد تراث قابل للتفكيك أو الاحتواء؟
لقد لجأت بعض التيارات العلمانية، بدل مراجعة خطابها أو تطوير أدواتها، إلى محاولات التفاف مكشوفة، عبر دعم أصوات إعلامية وفكرية محددة تُقدَّم باعتبارها «تنويرية» أو «تجديدية»، في حين أن حضورها في الوعي المجتمعي يثير قدرًا واسعًا من الرفض والارتياب. ويبرز في هذا السياق الترويج لأسماء مثل إبراهيم عيسى، وخالد منتصر، وإسلام البحيري، وهي شخصيات لا تحظى بقبول اجتماعي حقيقي، فضلًا عن أن بعضهم مُدان فكريًا، بل وسلوكيًا وجنائيًا، بما ينسف أي ادعاء بالمصداقية أو النزاهة الفكرية.
كما جرى البحث عن شخصيات منفصلة عن الوجدان الشعبي، وضعيفة التكوين في الثقافة الإسلامية، ليتم تسويقها عبر منصات مدعومة ماليًا، مثل بعض رواد منصة مجتمع، حيث جُمعت أسماء معروفة بالجهل المركب بالإسلام، من أمثال أدونيس، وفاضل الربيعي، وبسكال لحود، ومحمد الشرفي. وهذه الشخصيات، في ميزان الفهم المنهجي للشريعة الإسلامية، لا تُعدّ سوى نماذج متمردة، قليلة العلم، تنظر إليها المجتمعات المسلمة بريبة ورفض، لا بدافع التعصب، بل لإدراكها هشاشة الطرح وافتقاره إلى الأساس المعرفي والإنصاف العلمي.
ورغم هذا الرفض الشعبي الواسع، لا تزال العلمانية تحاول فرض حضورها من خلال تحالفها مع السلطة السياسية، حيث يمالئ بعض الحكام الدول الغربية، ويتخذون من الخطاب العلماني أداة للتجمّل الخارجي أو اكتساب الشرعية الدولية. غير أن هذه المحاولات تفشل باستمرار في مواجهة المجتمعات الحية وقواها الرافضة لأي تنكّب عن الإسلام أو إقصائه من المجال العام.
وقد أثبتت التجربة أن التحكم في التعليم، أو الثقافة، أو الإعلام، أو الفن، لا يكفي لنفي قيم المجتمع أو إعادة تشكيل هويته من أعلى. وحتى إن غُيّب الدعاة والمفكرون، فإن أثرهم لا يزول، لأن روافد الثقافة الإسلامية أوسع من أن تُحاصر، ولأن القيم تُتداول وتُصان عبر الإنسان والأسرة والمجتمع، لا عبر المؤسسات الرسمية وحدها.
إن الإسلام، بخلاف ما يُروَّج له، لا يعرف سلطة كهنوتية مغلقة، بل حارب الكهنوت منذ بداياته، ورفض الوساطة المقدسة بين الإنسان وربه، وربط القيم الدينية بالفطرة الإنسانية السليمة. ولهذا فإن مقاربته لا يمكن أن تُستنسخ من تجارب دينية أخرى، ولا أن تُختزل في صراع مفتعل مع الحداثة.
وخلاصة القول، لسنا بحاجة إلى إسداء النصائح للعلمانية، غير أن أقل ما يمكن قوله هو أن الأولى بها أن تكفّ عن محاولات إخضاع الإسلام أو استخدامه كساحة اختبار لمشاريع فكرية مستوردة، وأن تدرك أن وجودها في مجتمعاتنا ظل مرتبطًا بالتبعية الفكرية والسياسية، لا بالقبول الشعبي الحقيقي. وستبقى الشعوب بقيمها وعقيدتها وثقافتها هي الضمانة الوحيدة، وحائط الصد الأخير، في وجه كل محاولة لفرض نماذج تتصادم مع هويتها.
أما الإخفاق في إيجاد أرضية إنسانية مشتركة مع الإسلام، والتعامل معه بحكمة واحترام بدل محاربته، فليس إلا امتدادًا لحالة من الغفلة الفكرية، وسوء التقدير، وقلة التوفيق.