التقارب الهندي العربي آفاق واعدة وتحديات مقلقة

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة

يعكس التزام الهند وجامعة الدول العربية برفع حجم التبادل التجاري إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030 تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقة بين الجانبين، من شراكة تقليدية تركز على الطاقة والتجارة، إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

ويأتي اجتماع وزراء الخارجية في نيودلهي بعد توقف دام قرابة عقد، ما يمنحه أهمية سياسية خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في غرب آسيا والنظام الدولي عموماً.

ويرى موداسير قمر، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات الدولية بجامعة جواهر لال نهرو، أن توقيت الاجتماع “يعكس إدراكاً متبادلاً بأن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقاً أعمق في السياسات الاقتصادية والأمنية”،

مضيفاً أن الهند تنظر إلى العالم العربي ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كشريك في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.

الاقتصاد والتجارة: من الأرقام إلى التكامل

يشكل هدف مضاعفة التجارة من 240 مليار دولار إلى 500 مليار دولار خلال أقل من خمس سنوات مؤشراً على الثقة المتزايدة بين الطرفين. وتشير خارطة الطريق المتفق عليها إلى انتقال واضح من مجرد زيادة التبادل التجاري إلى بناء تكامل اقتصادي فعلي، يقوم على الاستثمارات المشتركة ونقل التكنولوجيا.

وبحسب الدكتورة نسرين عبد الله، الخبيرة في الاقتصاد الإقليمي والتكامل التجاري (مركز دراسات الشرق الأوسط)، فإن “تحقيق هذا الهدف يتطلب إزالة الحواجز غير الجمركية، وتوحيد المعايير، وتوسيع اتفاقيات الاستثمار”، متوقعة أن تكون قطاعات الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية المحرك الأساسي للنمو التجاري خلال السنوات المقبلة.

الشركات الناشئة والفضاء: شراكة المستقبل

يمثل الاتفاق على ربط منظومات الشركات الناشئة والتعاون في مجال الفضاء نقلة نوعية في مسار العلاقات. فالهند، التي تمتلك واحدة من أكبر بيئات الشركات الناشئة في العالم، ترى في الدول العربية شريكاً استثمارياً وسوقاً واعدة، خاصة في مجالات التكنولوجيا المالية، والتكنولوجيا الصحية، والتقنيات الخضراء.

ويؤكد راجيف كابور، محلل سياسات الابتكار والتكنولوجيا في نيودلهي، أن “التعاون الفضائي وإنشاء فريق عمل مشترك سيمنح الدول العربية وصولاً أكبر إلى الخبرات الهندية منخفضة التكلفة، بينما تستفيد الهند من التمويل والبنية التحتية المتقدمة في بعض الدول العربية”. ويتوقع كابور أن تظهر أولى ثمار هذا التعاون خلال عامي 2027 و2028 عبر مشاريع بحثية وتجارية مشتركة.

التوقعات حتى 2030: شراكة أوسع وتأثير إقليمي

يتوقع الخبراء أن تتجاوز نتائج هذا التقارب الأبعاد الاقتصادية، لتشمل تنسيقاً سياسياً أوسع في القضايا الإقليمية والدولية، خاصة في مجالات أمن الطاقة، والأمن الغذائي، والاستدامة البيئية. كما يُرجح أن تلعب مشاركة الشباب والتعاون التعليمي والثقافي دوراً محورياً في ترسيخ الشراكة على المدى الطويل.

ويرى موداسير قمر أن “نجاح هذه الشراكة سيجعل من العلاقة الهندية-العربية نموذجاً للتعاون بين الجنوب العالمي”، متوقعاً أن يتحقق هدف الـ500 مليار دولار قبل 2030 إذا استمرت وتيرة الاجتماعات والتنفيذ العملي للاتفاقات.

وفي المحصلة، تشير المؤشرات إلى أن اجتماع نيودلهي لم يكن حدثاً بروتوكولياً، بل خطوة تأسيسية لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، قد تعيد رسم ملامح العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الهند والعالم العربي خلال العقد المقبل.

فيما يلي آراء معارضة وتحذيرات تحليلية تستند إلى قراءات نقدية للاتفاق الهندي–العربي، مع ذكر أسماء خبراء وتوقعاتهم، وبنفس الأسلوب المهني:

تحديات تحقيق هدف 500 مليار دولار

يشكك عدد من الخبراء في واقعية الوصول إلى حجم تجارة قدره 500 مليار دولار بحلول عام 2030، معتبرين أن الفجوة بين الطموحات السياسية والقدرات التنفيذية لا تزال كبيرة. فمضاعفة التجارة خلال فترة زمنية قصيرة تتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، لا سيما في ما يتعلق بالإجراءات الجمركية، وسهولة حركة السلع، وحماية الاستثمارات.

ويرى الدكتور علي رضا الكيلاني، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن “الإعلان عن أرقام كبيرة قد يكون ذا طابع رمزي أكثر منه عملي”، محذراً من أن تباطؤ الاقتصاد العالمي، وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، قد يعرقل تحقيق الأهداف المعلنة.

اختلال ميزان المصالح بين الطرفين

تثار مخاوف من أن تميل الكفة الاقتصادية لصالح الهند، بحكم حجم اقتصادها وقدراتها الصناعية والتكنولوجية، ما قد يحول بعض الدول العربية إلى أسواق استهلاكية أكثر منها شركاء متكافئين في الإنتاج.

وتحذر الدكتورة هالة منصور، الباحثة في شؤون التنمية، من أن “غياب سياسات صناعية عربية موحدة قد يؤدي إلى تعميق الاعتماد على الواردات الهندية”، مشيرة إلى أن الدول العربية مطالبة بتحديد أولوياتها بدقة لتجنب اختلال ميزان المصالح على المدى المتوسط.

الشركات الناشئة: فجوة تشريعية ومخاطر تنظيمية

رغم التفاؤل بشأن ربط منظومات الشركات الناشئة، يرى بعض المحللين أن الاختلاف الكبير في الأطر التنظيمية والقانونية قد يحد من فعالية هذا التعاون. فبيئات الابتكار في عدد من الدول العربية لا تزال تواجه تحديات تتعلق بحماية الملكية الفكرية، وسهولة تأسيس الشركات، وتدفق رؤوس الأموال.

ويؤكد سامي العبد الله، خبير ريادة الأعمال الإقليمي، أن “الاندفاع نحو التعاون التكنولوجي دون مواءمة تشريعية واضحة قد يؤدي إلى شراكات غير متوازنة، أو إلى استحواذ غير مباشر على الابتكارات المحلية”.

الأبعاد الجيوسياسية: مخاطر التسييس والتوتر الإقليمي

يحذر محللون من أن تعميق الشراكة الهندية–العربية قد يتأثر بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إضافة إلى حساسية العلاقات مع قوى دولية أخرى فاعلة في المنطقة. فربط التعاون الاقتصادي بملفات سياسية وأمنية معقدة قد يعرّض الاتفاقات للتجميد أو التباطؤ.

ويرى الدكتور فؤاد إسماعيل، الباحث في العلاقات الدولية، أن “نجاح الشراكة يتطلب الفصل الواضح بين الاقتصاد والصراعات الإقليمية”، محذراً من أن أي تصعيد سياسي قد ينعكس سلباً على الاستثمارات طويلة الأجل.

على الرغم من الفرص الكبيرة التي يتيحها التقارب الهندي–العربي، يرى الخبراء المعارضون أن النجاح لن يتحقق تلقائياً عبر الإعلانات السياسية وحدها. فغياب آليات تنفيذ واضحة، واختلال التوازن الاقتصادي، والتحديات التنظيمية والجيوسياسية، كلها عوامل قد تحول دون تحقيق الأهداف المعلنة.

ويجمع هؤلاء على أن السنوات الثلاث المقبلة ستكون حاسمة: إما أن تتحول الشراكة إلى نموذج تعاون متكافئ ومستدام، أو تبقى مجرد طموحات دبلوماسية تصطدم بواقع معقد.