أكياس سوداء داخل مصحة.. ماذا يحدث في طرابلس؟

لحظة كاشفة لانهيار منظومة كاملة من الرقابة والمسؤولية

لم تكن واقعة مصحة «توليب» في طرابلس حادثًا معزولًا أو خطأً طبيًا عابرًا، بل لحظة كاشفة لانهيار منظومة كاملة من الرقابة والمسؤولية السياسية في ليبيا. ما ظهر إلى العلن من جثامين أطفال وأطراف بشرية محفوظة في أكياس سوداء داخل منشأة طبية مرخّصة، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الإهمال الحكومي، وتفكك مؤسسات الدولة، وتحول القطاع الصحي الخاص إلى مساحة شبه مغلقة خارج أي محاسبة حقيقية.

تفتيش متأخر… وجريمة ممتدة

بحسب البيانات الرسمية، جاءت الفضيحة نتيجة جولة تفتيش وُصفت بـ«الروتينية» نفذتها لجنة من النيابة العامة ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية في 25 يناير/كانون الثاني. لكن السؤال الجوهري الذي تطرحه الواقعة: كيف استمرت هذه المصحة في العمل أصلًا؟

مصحة تعمل في حي مكتظ بالسكان، وتستقبل حالات ولادة ورعاية صحية، دون أن تُكتشف هذه المخالفات إلا صدفة. هذا وحده يضع المسؤولية السياسية على الجهات التنفيذية المشرفة على القطاع الصحي، لا على إدارة المصحة فقط.

من المسؤول سياسيًا؟

قانونيًا، تُعد وزارة الصحة والجهات التابعة لها مسؤولة عن الترخيص، والمتابعة، والتفتيش الدوري، وسحب التراخيص عند المخالفة. لكن سياسيًا، تمتد المسؤولية إلى الحكومات المتعاقبة التي سمحت بتضخم المصحات الخاصة دون بناء منظومة رقابة موازية، في ظل غياب قواعد بيانات، وضعف التنسيق بين الوزارات، وتحول التفتيش إلى إجراء شكلي.

يقول خبير إداري ليبي (طلب عدم ذكر اسمه): «ما جرى في توليب ليس فشلًا إداريًا فقط، بل فشل سياسي في إدارة قطاع حساس. الدولة سلّمت الصحة للقطاع الخاص دون أدوات رقابة، ثم تفاجأت بالنتيجة».

رواية رسمية… وثغرات خطيرة

السلطات وصفت الواقعة بأنها نشاط لعصابة منظمة يُشتبه في تورطها في الاتجار بالأعضاء. هذا الوصف، إن ثبت، يفتح ملفًا أخطر: كيف تعمل عصابة بهذا الحجم داخل منشأة طبية مرخصة؟

أما إدارة المصحة، فقد نفت الاتهامات واعتبرت أن الجثامين تعود لمولود متوفى رُفض استلامه، وأن الطرف المبتور نتيجة إجراء طبي قانوني. غير أن هذا الدفاع، حتى لو صح جزئيًا، لا يبرر غياب السجلات، ولا يفسر التخزين غير القانوني، ولا ينفي مسؤولية الجهات الرقابية التي لم تتابع أو تراجع أو تتحقق.

النازحون الحلقة الأضعف في جرائم الاتجار

في بلد يعاني من وجود عشرات الآلاف من النازحين والمهاجرين غير النظاميين، تبرز مخاوف حقيقية من أن تكون هذه الفئات الهشة قد استُخدمت كوقود لشبكات الاتجار. مصادر حقوقية ليبية تشير إلى أن الفوضى الصحية، وغياب التوثيق، وتراخي الرقابة، تشكل بيئة مثالية لجرائم عابرة للحدود، سواء في الاتجار بالأعضاء أو بالبشر.

ويرى باحث في قضايا الهجرة أن: «أي تحقيق لا يربط بين ملف توليب وملف الهجرة غير الشرعية سيكون ناقصًا. التجارب في دول أخرى تؤكد أن هذه الجرائم غالبًا ما تتقاطع».

صمت سياسي مريب

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر مساءلات سياسية واضحة، ولا إعلانات عن لجان برلمانية مستقلة، ولا تحديد لمسؤوليات وزارية. الاكتفاء بالإغلاق والاعتقال، دون مساءلة من سمح وغطّى وتغاضى، يُعد استمرارًا لسياسة إدارة الأزمات لا حلّها.

ردود فعل عربية ودولية

عربيًا، أبدت منظمات حقوقية في تونس ومصر قلقها من الواقعة، مطالبة بتحقيق شفاف ومستقل. ودعت الشبكة العربية لحقوق الإنسان إلى إشراك جهات دولية لضمان عدم طمس الأدلة.

دوليًا، طالبت منظمات مثل «أطباء من أجل حقوق الإنسان» و«هيومن رايتس ووتش» السلطات الليبية بضمان تحقيق شامل، وربط القضية بإصلاح أوسع لمنظومة الصحة والرقابة، محذّرة من أن الإفلات من العقاب سيحوّل ليبيا إلى بؤرة إقليمية لهذه الجرائم.

تداعيات تتجاوز مصحة واحدة

قضية توليب لم تهز الثقة في مصحة بعينها، بل في الدولة نفسها. فحين تتحول منشآت العلاج إلى أماكن اشتباه، وتُترك الأسئلة السياسية دون إجابة، يصبح المواطن بلا حماية.

الرسالة الأخطر التي قد تخرج من هذه القضية، إن لم تُستكمل بالمحاسبة السياسية، هي أن الجريمة تُعالج أمنيًا فقط، بينما يبقى مناخها السياسي قائمًا.

الخلاصة: مصحة توليب ليست شذوذًا، بل نتيجة مباشرة لفوضى سياسية وإدارية. المسؤولية لا تقف عند مدير مصحة أو طبيب، بل تبدأ من قمة هرم القرار الذي فشل في بناء رقابة، وغضّ الطرف عن فساد، وسمح بتحويل الصحة إلى سوق بلا ضوابط.

وأي حديث عن العدالة يظل ناقصًا ما لم يُطرح السؤال الأهم: من سمح، ومن صمت، ومن سيُحاسَب؟