سياسة ترامب الخارجية.. هل تعيد الهيبة لأمريكا أم تعجّل بعزلتها؟
د. ياسر عبد التواب يكتب
- dr-naga
- 27 يناير، 2026
- رأي وتحليلات
- النموذج الأمريكي, الولايات المتحدة, ترامب, د. ياسر عبد التواب يكتب, سياسة ترامب
منذ عودته إلى البيت الأبيض، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض نهجه الصدامي في السياسة الخارجية، نهج يقوم على التهديد، والانسحاب من الاتفاقيات الدولية، والتشكيك في جدوى المؤسسات الأممية، والابتعاد عن الحلفاء التقليديين في أوروبا. وبينما يراه أنصاره تجسيدًا لفكرة “أمريكا أولًا”، يرى منتقدوه أنه يضع الولايات المتحدة على مسار عزلة خطِرة قد تدفع ثمنها لعقود.
اللافت أن الاعتراض على هذا النهج لا يقتصر على خصوم ترامب السياسيين، بل يمتد إلى شخصيات وازنة من داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، ومن الحزب الجمهوري أيضًا.
اعتراض من قلب المؤسسة السياسية
الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما كان من أوائل من حذروا من تفكيك النظام الدولي الذي ساهمت واشنطن نفسها في بنائه، معتبرًا أن إضعاف التحالفات والمؤسسات متعددة الأطراف لا يصنع قوة، بل يترك فراغًا تملؤه قوى أخرى. هذا الموقف يتقاطع مع رؤية الرئيس الأسبق جو بايدن، الذي رأى أن سياسات ترامب أضعفت ثقة الحلفاء الأوروبيين في واشنطن، وألحقت ضررًا استراتيجيًا بصورة الولايات المتحدة كقائد عالمي.
أما هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، فذهبت أبعد من ذلك حين وصفت دبلوماسية التهديد والإهانة العلنية بأنها تهور سياسي لا ينسجم مع تقاليد العمل الدبلوماسي الأمريكي، محذّرة من أن السياسة الخارجية لا تُدار بعقلية الصفقات العقارية.
انقسام داخل الحزب الجمهوري
الانتقاد الأكثر دلالة ربما جاء من داخل المعسكر الجمهوري نفسه. السيناتور ميت رومني، المرشح الرئاسي الجمهوري السابق، عبّر بوضوح عن قلقه من إضعاف حلف شمال الأطلسي والابتعاد عن أوروبا، معتبرًا أن ذلك يصب مباشرة في مصلحة خصوم الولايات المتحدة، وعلى رأسهم روسيا والصين.
حتى جون بولتون، المعروف بتشدده ودعمه لاستخدام القوة، لم يُخفِ تحفظه على أسلوب ترامب الشخصي في إدارة العلاقات الدولية، معتبرًا أن غياب الانضباط والوضوح الاستراتيجي قد يحوّل سياسة الردع إلى مصدر فوضى وسوء تقدير.
رفض تقدمي ومخاوف دستورية
من الجهة المقابلة، يقود السيناتور بيرني ساندرز تيارًا رافضًا لأي نزعة توسعية أو حديث عن احتلال دول أخرى، مؤكدًا أن الشعب الأمريكي سئم الحروب الخارجية والمغامرات العسكرية التي تُستنزف فيها الموارد العامة دون مردود حقيقي على الداخل.
وتلتقي هذه الرؤية مع موقف نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب السابقة، التي شددت على أن تجاوز الأمم المتحدة أو اتخاذ قرارات عسكرية كبرى دون الرجوع إلى الكونغرس يمثل مساسًا خطيرًا بالتوازن الدستوري للسلطات في الولايات المتحدة.
بين “القوة” والعزلة
لا شك أن ترامب لا يزال يحظى بدعم شريحة من الأمريكيين الذين يرون في نهجه الصارم استعادة لـ“هيبة أمريكا” ورفضًا لما يعتبرونه خضوعًا لقيود دولية غير عادلة. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تُقاس قوة الدول بقدرتها على التهديد والانسحاب، أم بقدرتها على القيادة وبناء التحالفات؟
التجربة التاريخية تشير إلى أن النفوذ الأمريكي بلغ ذروته عندما جمع بين القوة العسكرية والشرعية الدولية، لا عندما اكتفى بالقوة وحدها. إن تقويض الأمم المتحدة، وإضعاف الناتو، والتعامل مع السياسة الدولية بعقلية الصفقات قصيرة الأجل، قد يمنح مكاسب آنية، لكنه يراكم خسائر استراتيجية طويلة الأمد.
إن الجدل الدائر اليوم في الولايات المتحدة ليس مجرد خلاف حول دونالد ترامب كشخص، بل هو صراع عميق حول هوية الدور الأمريكي في العالم. هل تكون أمريكا قوة تقود النظام الدولي، أم قوة تقف خارجه وتفرض إرادتها بالقوة؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، بل موقع الولايات المتحدة ذاته في عالم سريع التحول.
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية