كيف فجّرت 5 مليارات دولار صداماً غير مسبوق بين ترمب ودايمون؟

سقف الفوائد يشعل أخطر مواجهة بين البيت الأبيض والبنوك الكبرى

مع بداية عام 2026، بات واضحًا أن طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والقطاع المالي الأميركي شهدت تحولًا جوهريًا. فبعد فترة طويلة من التحفّظ والصمت من جانب كبار المصرفيين، كسر جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لبنك «جيه بي مورغان تشيس»، هذا النهج، ليدخل في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولم تتوقف هذه المواجهة عند حدود التصريحات الإعلامية، بل تطورت إلى صراع قانوني واسع النطاق قد يعيد رسم معالم العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسات المالية في الولايات المتحدة.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث كشفت إدارة ترمب عن مقترح وُصف بالجرأة، يقضي بتحديد سقف لأسعار الفائدة على بطاقات الائتمان عند مستوى 10 في المائة. وقدّمت الإدارة هذا التوجه باعتباره خطوة لحماية المستهلك الأميركي من ممارسات البنوك التي وصفتها بالجشع. إلا أن رد دايمون جاء صريحًا وحادًا، إذ اعتبر المقترح بمثابة «كارثة اقتصادية» مؤكدة.

وتصاعد القلق داخل أوساط «وول ستريت» بسبب الطابع الدستوري لهذا المقترح، إذ إن فرض حد أقصى لأسعار الفائدة يتطلب تشريعًا صادرًا عن الكونغرس، ولا يملك الرئيس صلاحية فرضه بقرار منفرد. ومع ذلك، فإن طريقة إعلان ترمب عن المقترح، وبنبرة توحي بقدرته على تنفيذه، أثارت حالة من الارتباك داخل القطاع المصرفي. هذا التجاوز للأعراف التشريعية دفع عددًا من كبار التنفيذيين، في خطوة غير معتادة، إلى إصدار تصريحات علنية تنتقد توجهات البيت الأبيض، معتبرين أن مجرد التلويح بمثل هذه القوانين يهدد استقرار النظام المالي ويقوض آليات السوق الحرة.

ولم تمر تصريحات دايمون في دافوس دون تبعات. فبعد يوم واحد فقط، تحركت إدارة ترمب قانونيًا من ولاية فلوريدا، عبر رفع دعوى قضائية تطالب بنك «جيه بي مورغان» بتعويضات تصل إلى 5 مليارات دولار، متهمة إياه باتباع سياسة «الإقصاء المصرفي» ضد ترمب عقب أحداث السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. وعلى الرغم من أن هذه القضية كانت مطروحة منذ فترة، فإن توقيت تحريكها، عقب تصريحات دايمون مباشرة، عكس بوضوح استخدام المسار القضائي كوسيلة للرد السياسي على قادة الشركات الذين يعارضون سياسات الإدارة.

وتأتي هذه الأزمة في سياق مناخ عام من التوتر يخيّم على كبرى الشركات الأميركية. إذ يرى مراقبون أن «وول ستريت» حاولت طوال العام الماضي تجنب الصدام مع ترمب، مفضلة التزام الصمت حتى إزاء سياسات تؤثر بشكل مباشر على أرباحها، مثل الرسوم الجمركية أو التدخل في استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي. غير أن مقترح سقف أسعار الفائدة مثّل خطًا أحمر لا يمكن تجاهله، نظرًا لتأثيره المباشر على أرباح البنوك، ما دفع قيادات مصرفية أخرى، من بينهم جين فريزر من «سيتي غروب» وبرايان موينيهان من «بنك أوف أميركا»، إلى دعم موقف دايمون، رغم أن الأخير كان الأكثر عرضة للهجوم.

وتضع هذه المواجهة الاقتصاد الأميركي أمام مفترق طرق بالغ الحساسية. ففي حين يصر ترمب على حقه في حماية المستهلك ومعاقبة المؤسسات التي يعتبرها «مسيسة»، يخشى المستثمرون من أن يتحول الانتقام السياسي إلى نهج اقتصادي دائم، من شأنه زعزعة استقرار الأسواق وتقويض استقلالية المؤسسات المالية. ومع انتقال الصراع إلى ساحات القضاء، يبقى السؤال مطروحًا: هل سيتمكن جيمي دايمون من الصمود أمام هذه العاصفة، أم أن هذا الصدام سيشكّل رسالة ردع لكل من يفكر في تحدي إرادة البيت الأبيض في مرحلة «ترمب 2.0»؟