كشمير تشهد انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان
إساءة استخدام القوانين يجعلها أداة للقمع السياسي والعقاب الجماعي
- السيد التيجاني
- 19 يناير، 2026
- تقارير, حقوق الانسان
- الانتهاكات الهندية, الهند, جامو وكشمير المحتلة, حقوق الإنسان
تُعدّ جامو وكشمير المحتل واحدة من أكثر المناطق التي تشهد انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان، حيث تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية الهندية عن نمط مقلق من إساءة استخدام قانون مكافحة الأنشطة غير المشروعة (الوقاية) المعروف بـ(UAPA).
وتشير هذه الأرقام إلى أن هذا القانون، الذي يُفترض به حماية الأمن القومي، تحوّل في كشمير إلى أداة للقمع السياسي والعقاب الجماعي.
وبحسب الإحصاءات الرسمية، بين عامي 2019 و2023، اعتقلت السلطات الهندية 3662 شخصًا في جامو وكشمير بموجب قانون UAPA،
في حين لم تُسجَّل سوى 23 إدانة فقط، أي بنسبة لا تتجاوز 0.62%. هذا التفاوت الصارخ بين أعداد المعتقلين والمدانين يثير تساؤلات خطيرة حول نزاهة الإجراءات القانونية، ويعزز الاتهامات بأن الاعتقال ذاته أصبح وسيلة للعقاب دون الحاجة إلى أدلة أو محاكمات عادلة.
تصاعد الاعتقالات بعد 2019
شهدت وتيرة الاعتقالات ارتفاعًا حادًا منذ أغسطس/آب 2019، عندما ألغت الحكومة الهندية الوضع الخاص لجامو وكشمير وحولتها إلى إقليم اتحادي خاضع للإدارة المباشرة من نيودلهي. ففي عام 2019، سُجّلت 227 حالة اعتقال بموجب قانون UAPA، ارتفعت إلى 346 حالة في 2020، ثم إلى 645 حالة في 2021، وقفزت بشكل لافت إلى 1238 حالة في 2022، قبل أن تنخفض قليلًا إلى 1206 حالات في 2023.
ورغم هذا التصاعد الكبير في الاعتقالات، ظلت الإدانات نادرة للغاية. فلم تُسجَّل أي إدانة في عامي 2019 و2021، بينما سُجّلت إدانتان فقط في 2020، و11 إدانة في 2022، و10 إدانات في 2023. ويؤكد مراقبون قانونيون أن هذه الأرقام تعكس انهيارًا فعليًا لمبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، حيث يُحتجز الأفراد لسنوات دون محاكمة فعالة.
الاحتجاز المطوّل كسياسة ممنهجة
يُتيح قانون UAPA للسلطات احتجاز المتهمين لفترات طويلة دون توجيه لوائح اتهام واضحة، وهو ما تستغله الأجهزة الأمنية في جامو وكشمير لإسكات الأصوات المعارضة.
ويشير محامون وناشطون إلى أن العديد من المعتقلين يُطلق سراحهم بعد سنوات من السجن دون أي إدانة، بينما تتعرض حياتهم الاجتماعية والاقتصادية للتدمير.
وقد طالت هذه الاعتقالات قيادات سياسية بارزة، ونشطاء في المجتمع المدني، وصحفيين، وأكاديميين، إضافة إلى شباب كشميريين اتُهموا بتهم فضفاضة تتعلق بـ”تهديد أمن الدولة”.
ويرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن الهدف الحقيقي من هذه الاعتقالات هو خلق مناخ من الخوف يمنع أي شكل من أشكال المعارضة أو الاحتجاج السلمي.
قوانين متعددة لقمع واحد
لا يُستخدم قانون UAPA بمعزل عن غيره من القوانين القمعية. ففي جامو وكشمير، غالبًا ما يُطبَّق هذا القانون جنبًا إلى جنب مع قانون السلامة العامة (PSA)، الذي يسمح بالاعتقال الإداري دون محاكمة. ويؤكد محللون أن الجمع بين هذين القانونين يشكل شبكة قانونية خانقة تُستخدم لإدامة السيطرة الأمنية وقمع أي نشاط سياسي مستقل.
وقد وثّقت منظمات حقوقية حالات عديدة لمعتقلين أُعيد اعتقالهم فور الإفراج عنهم بموجب قانون آخر، في حلقة مفرغة من الاحتجاز المستمر، ما يُفرغ النظام القضائي من مضمونه ويحوّل القوانين إلى أدوات سياسية بحتة.
الوضع على مستوى الهند
رغم أن جامو وكشمير تتصدر قائمة المناطق الأكثر تضررًا، إلا أن إساءة استخدام قانون UAPA ليست حكرًا عليها. فعلى مستوى الهند، اعتُقل 5690 شخصًا في 28 ولاية بين عامي 2019 و2023، بينما لم تُسجَّل سوى 288 إدانة، أي بنسبة تقارب 5%.
وفي عام 2023 وحده، اعتُقل 1686 شخصًا بموجب القانون على مستوى البلاد، ولم تتجاوز الإدانات 84 حالة. وتُظهر هذه الأرقام نمطًا وطنيًا من الاعتقالات التعسفية وضعف المحاكمات، ما يعكس أزمة أعمق في منظومة العدالة الهندية.
نماذج إقليمية صارخة
تُقدّم ولاية البنجاب مثالًا واضحًا على سوء استخدام قانون UAPA، حيث اعتُقل 259 شخصًا بين عامي 2019 و2023 دون تسجيل أي إدانة. وفي عام 2023، ورغم احتلالها المرتبة الخامسة في عدد الاعتقالات بـ50 حالة، لم تُسجَّل أي إدانة، ما يثير الشكوك حول مصداقية التهم الموجهة.
كما تصدرت ولاية أوتار براديش قائمة الاعتقالات في 2023 بـ1122 حالة، لكنها لم تُسجّل سوى 75 إدانة، بنسبة لا تتجاوز 6.68%. وفي ولايات أخرى مثل آسام ومانيبور وميغالايا، سُجّلت عشرات الاعتقالات دون إدانات تُذكر.
تداعيات إنسانية وقانونية
يرى خبراء حقوق الإنسان أن معدلات الإدانة المنخفضة بشكل مقلق تكشف عن خلل بنيوي في سيادة القانون، وتؤكد أن الأجهزة الأمنية تُعطي الأولوية للسيطرة والقمع على حساب العدالة. كما أن هذه السياسات تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة على المعتقلين وعائلاتهم، وتُفاقم الشعور بالظلم والتهميش.
وفي جامو وكشمير على وجه الخصوص، يُحذّر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، ويقوّض أي فرص لحل سياسي عادل ومستدام.
تكشف البيانات الرسمية نفسها عن واقع لا يمكن تجاهله: قانون الأنشطة غير المشروعة (الوقاية) في الهند، وخاصة في جامو وكشمير، يُستخدم كأداة قمع واسعة النطاق،
حيث أصبح الاعتقال هو العقوبة، وليس الإدانة. ومع استمرار هذه الممارسات، تتزايد الدعوات المحلية والدولية لمراجعة هذا القانون، وضمان احترام حقوق الإنسان، وإعادة الاعتبار لسيادة القانون كركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي.